في تقدير الدول لمصالحها وحسابات استقرارها، لا تكون القرارات الكبرى دائماً صاخبة. قراراتٌ تُفهم قيمتها خارج حدود أرقامها. فقوةُ الدول وحجمُها الفعلي لا يُقاسان بكثرة ما يُعلَن على الورق، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية حمايةً للاستقرار. وعندما تُقرر دولة بحجم المملكة العربية السعودية دعم موازنة الحكومة اليمنية بمبلغ 1.3 مليار ريال لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، فإن القراءة المتأنية لا ترى في القرار مجرد تحويل مالي، بل ممارسة سيادية تعكس فهماً واضحاً لطبيعة الدولة وكيف يُصان توازنها.فالمسألة في جوهرها ليست رقماً مالياً فحسب؛ فالاقتصاد في الدول التي تمر بظروف دقيقة هو البنية التي يتكئ عليها المجتمع بأكمله. فالدولة التي تتعثر في دفع رواتب موظفيها لا تواجه خللاً إدارياً فقط، بل تبدأ في فقدان أهم عناصر تماسكها: الثقة. وهذه الثقة هي ما يحفظ انتظام السوق، واستقرار الأسرة، وقدرة المؤسسات على الاستمرار.ومن هنا، فإن دعم بند الرواتب ليس تفصيلاً مالياً عابراً، ولكنه يعكس تثبيتاً لنقطة الارتكاز الأساسية للدولة. فالراتب في مثل هذه الظروف ليس رقماً في كشف حساب، ولكنه سبب رئيسي لطمأنينة الأسرة واستمرار الحياة اليومية بوتيرة لا تحتمل الانقطاع. فانتظام الرواتب يعني بقاء الدورة الاقتصادية فاعلة، واستمرار القوة الشرائية، وتحريك الأسواق، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الانكماش.إن مبلغ الـ1.3 مليار ريال يسهم في انتظام التدفقات المالية الحكومية، ويحد من الاختلالات، ويمنح الإدارة اليمنية مساحةً لأداء وظائفها بعيداً عن ضغط الانقطاع المالي. كما يدعم النشاط التجاري ويهيئ بيئة أكثر قابلية للتعافي التدريجي. وهذه نتائج عملية لاستقرار الدخل واستمرار الإنفاق المنضبط، لا مجرد تقديرات نظرية.ولا يمكن قراءة هذا القرار خارج سياقه الممتد؛ فمنذ عام 2012 وحتى 2026، بلغ إجمالي ما قدمته المملكة لدعم الاقتصاد اليمني نحو 12.6 مليار دولار، تنوّعت بين ودائع ومنح ومشروعات تنموية. وفي يناير الماضي أُعلن عن حزمة بقيمة 1.9 مليار ريال شملت 28 مشروعاً ومبادرة في قطاعات حيوية كالصحة والطاقة والتعليم. هذا الامتداد يؤكد أن المسألة نهج مستمر، لا استجابة عابرة.وإذا كان المشهد اليمني يُختزل أحياناً في أبعاده السياسية أو الأمنية، فإن المقاربة السعودية تنظر إليه بوصفه ملفاً تنموياً وإنسانياً أيضاً. فالتنمية لا تقل أهمية عن الأمن، والاستقرار لا يُفرض بالتوازنات السياسية وحدها، بل يُرسّخ بانتظام الخدمات وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.إن حضور المملكة في اليمن ينطلق من قناعة واضحة بأن استقرار الجوار امتداد لاستقرار المنطقة بأسرها. وتأمين ميزانية الرواتب هو تعبير عملي عن دعمٍ يمس حياة المواطن اليمني مباشرة، ويعكس التزاماً عربياً ثابتاً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية، بعيداً عن منطق المقايضة أو الظرفية السياسية.ويأتي هذا المسار امتداداً لرؤية قيادةٍ وضعت استقرار الجوار في صميم حساباتها الإستراتيجية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة مترابط، وأن دعم الدولة اليمنية ليس موقفاً ظرفياً، بل التزاماً عربياً يعكس إيماناً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية.ومن منظور إقليمي أشمل، فإن استقرار اليمن ليس شأناً داخلياً منفصلاً، بل عنصراً أساسياً في معادلة أمن الجزيرة العربية. فالجغرافيا مترابطة، والاقتصاد عابر للحدود، وأي اختلال في دورة الدولة ينعكس أثره خارجها. ومن هنا، فإن دعم الموازنة اليمنية يُفهم ضمن رؤية ترى أن تحصين الاقتصاد هو أحد أهم مفاتيح تثبيت الاستقرار الإقليمي.وهنا تحديداً تتجلى فلسفة الدولة: ليست القوة في ما يُعلن، بل في ما يُثبَّت. وحين تُدار السيادة بعقل اقتصادي راشد، يصبح الدعم استثماراً في الاستقرار لا تكلفةً في الموازنة. فالدول تُقاس بقدرتها على ترسيخ التوازن في محيطها، لا بمجرد حضورها فيه. وما يُضخ اليوم في ميزانيةٍ شقيقة، إنما يُرسّخ غداً معادلة استقرارٍ أوسع، تتجاوز الرقم وتبقى في أثره.