الضجيج.. لا يصنع سياسة!

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط المزيد والمزيد من الاضطرابات، وتعاني فيه بعض دولها من صراعات حادة وتوترات عميقة، تظهر بعض التصريحات هنا وهناك لتزيد من تفجر الموقف في منطقة تعيش بالفعل فوق صفيح ساخن، وهي التصريحات التي إن دلت على شيء فهي تدل على انعدام الدبلوماسية وافتقاد الرؤية والافتقار للحكمة في التعامل مع الأمور بروية، وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة لخطاب موضوعي جاد يقرب وجهات النظر المتباعدة، وجهوداً مكثفة لتهدئة مخاوفها.وفي الوقت الذي تتسارع فيه حدة التصريحات غير الملائمة وتتضخم خلاله نبرة الخطاب العدائية بمفرادتها المتشنجة، تتزايد المخاوف من اندلاع الكثير من الصراعات المختفية تحت السطح الذي يعج بالكثير من الخلافات المزمنة، غير أن التجارب التاريخية جميعها أثبتت بما لا يقبل الجدل أن الضجيج والتصريحات العدائية المستفزة مهما بلغت حدتها أو عنفوانها لا تصنع سياسة ولا تقترح حلولاً، بل تزيد الأمور اشتعالاً وتفرغ القضايا من مضمونها، وفي الوقت الذي علت فيه الأصوات الحكيمة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية داعية لكبح جماح التصريحات العدائية الحادة، تتمادى فيه دول أخرى بإطلاق التصريحات المستفزة جزافاً دون إدراك كافٍ بعواقبها أو اكتراث حقيقي بالنتائج المترتبة على إطلاقها.ولعل التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى إسرائيل بأن «سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط أمر مقبول» تعد نموذجاً صارخاً لهذا النمط من التصريحات التي لا تعدو أن تكون مجرد ضجيج في الفضاء السياسي، لا تقدّم أي فائدة بل توغر الصدور وتزيد الاستفزازات، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء عشرات الألوف من الأبرياء في غزة بعد ممن تمت إبادتهم جماعياً في ظروف لا إنسانية تعد هي الأقسى بلا منازع في التاريخ الحديث، وعلى نحو غير مسبوق، تبدو تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل نموذجاً معبراً لهذا النوع من الضجيج والصخب السياسي، وهي التصريحات التي أثارت موجة من الغضب والجدل والاستهجان بين عموم دول المنطقة، فهي لا تعكس فقط افتقاد السفير الأمريكي للحس الدبلوماسي وعدم إدراكه لحساسية السياق الإقليمي ومدى ما يمكن أن تثيره أو تترتب عليه تلك التصريحات، بل تثير لدى الجميع شعوراً بالنفور العميق مما قد تحمله تلك التصريحات.من المؤكد أن تلك التصريحات التي أقل ما توصف بها بأنها غير ملائمة، تتسق مع الكثير من التصريحات العدائية.من المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة متعددة القوى والتوازنات، وقد أثبتت التجارب التاريخية أنه لا يوجد بها دولة واحدة لها اليد العليا أو قوة مسيطرة بشكل مطلق، فادعاءات السيطرة المطلقة ليست أكثر من مجرد وهم سياسي لم يتمكن من الصمود أمام عقبات الواقع وتعقيداته، فعقيدة التفوق التي تسيطر على عقول وقلوب الساسة الإسرائيليين ومن يدعمهم تقوض استقرار المنطقة وتزيد الفجوة بين إسرائيل وبين دول المنطقة، كما أن صدور هذه التصريحات من وسيط يفترض منه الموضوعية والحياد يضعف دور الدبلوماسية الأمريكية، ويجردها من دورها التاريخي كقوة عظمى تسعى لإحلال الأمن والاستقرار في ربوع العالم.من المؤكد أن السياسة الرشيدة تقوم على إدارة مصالح جميع الأطراف بما يحقق لهم أهدافهم بأقل قدر من الخسائر الممكنة، ولذلك فهي تعتمد على احتواء الخلافات وبناء التفاهمات عبر القنوات الدبلوماسية المعلنة وغير المعلنة، والتصريحات السياسية جزء لا يتجزأ من أي عملية سياسية، فهي لسانها الناطق والمتحدث الرسمي باسمها، والذي يجب أن يتحلى باللياقة والحكمة وسرعة البديهة، والتصريحات العدائية قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، غير أنها ترشح الأزمات للاستمرار وعلى نحو بعيد المدى، وفي منطقة الشرق الأوسط التي أنهكتها جراح الصراعات لعقود، يبدو الضجيج السياسي نوعاً من الحماقة التي تطيل عمر الأزمات، فكل ما نحتاج له هو سياسة هادئة حكيمة مبنية على الحوار والاعتراف بالحقائق التاريخية واحترام التوازنات الدقيقة في المنطقة.