في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، تنفتح دفاتر الذاكرة على صفحات الطفولة؛ فتعود مشاهد لا تمحوها السنوات، ولا تبهت تفاصيلها مهما تغيرت الظروف، وبين تلك الذكريات، يبرز مشهد يكاد يكون مشتركا بين كثيرين: صديق الطفولة الذي لا تمحى رفقته الرمضانية في أجمل سنوات العمر. في الشهر الفضيل، لا يمرّ الوقت فقط، بل يعود.. يعود كصوت مؤذن قديم، كرائحة خبز ساخن، كخطوات أطفال يركضون بين بيت ومسجد ومأتم ومجلس، وفي أحاديث عدد من أبناء البحرين، تتجلى الطفولة الرمضانية بوصفها ذاكرة حيّة، لا تزال تنبض في القلوب على رغم تعاقب السنوات. بين البيت والمسجد والبستان في قرية الديه، يستعيد الحاج منصور المطوع صورة طفولته الرمضانية وكأنه يقول: إن الحياة كانت تدور في مثلث بسيط وعميق المعنى: البيت، المسجد، والمأتم؛ فالأجواء يغلب عليها الطابع الروحاني، حيث تتقارب البيوت وتتشابك القلوب؛ فيكبر الأطفال وهم يتنقلون بين حلقات الذكر وصلاة الجماعة والمجالس الدينية. ويضيف أن لعائلته بستانين كان لهما أثر كبير في تشكيل وعيه المبكر بالمسؤولية، إذ كانوا يعملون في رعاية النخيل وجني المحاصيل، ولم يكن العمل يتوقف، بل كان يمتزج بالصيام في مشهد يجمع بين التعب والرضا، وكأن النخلة نفسها تصوم معهم وتمنحهم تمرها عند المغيب. الحد.. البحر صديق الطفولة أما في مدينة الحد، فيتذكر الدكتور عيسى العثمان تفاصيل أكثر جمالا من طفولته الرمضانية، حين كان يقضي أيام الشهر الفضيل برفقة صديقه المقرب خالد البورشيد، ويقول إن البحر كان جزءا من المشهد اليومي، يزورونه قبيل الغروب، ويعودون بعدها إلى بيت العائلة، حيث توجد حظيرة صغيرة تضم بعض المواشي والدواجن، في صورة تعكس بساطة الحياة آنذاك. ويؤكد أن تلك التفاصيل، على رغم بساطتها، شكّلت ذاكرة راسخة لا يمكن أن تمحى؛ فالشهر الفضيل لم يكن مجرد صيام، بل كان مشاركة يومية بين الأصدقاء، ودفئا أسريا يتجدد كل مساء. ومن المدينة نفسها، يستعيد محمد أمين ذكرياته مع صديقه محمد القمر، الذي رافقه منذ الطفولة حتى مراحل العمل والتقاعد. يروي أن العلاقة لم تكن عابرة، بل امتدت عبر الزمن كما يمتد خيط الضوء قبيل الأذان. ويضيف أمين “في رمضان الطفولة، كانوا يجتمعون على مائدة الفطور والسحور، ثم يتجولون في البساتين وعلى الشواطئ، في مزيج يجمع بين العبادة والبراءة، وبين ضحكات الصغار وسكون الليل”. البديع.. تخطيط للقرقاعون والعيد وفي البديع، يتحدث سالم اللحدان عن طفولته في سبعينات القرن الماضي، حين كان يعيش رمضان برفقة أصدقائه، ومنهم خليفة اللحدان وجاسم جابر، ويقول إنهم كانوا يتنقلون بين شمال البديع وجنوبها، خصوصا منطقة “الدام”، ويخططون مبكرا لليلة القرقاعون واستقبال العيد.. كانت الأيام تمضي بين صلاة ولعب وتخطيط بسيط لأفراح صغيرة، لكن أثرها بقي كبيرا. ويشير إلى أن علاقات الصداقة تلك مازالت قائمة حتى اليوم، في دلالة على أن رمضان لم يكن موسما عابرا، بل جسر طويل من المودة البلاد القديم.. روح الموسم وفي البلاد القديم، يستحضر عبدالنبي الشعباني أسماء أصدقاء الدراسة، ومنهم الدكتور أسامة عبدالكريم والدكتور عبدالرؤوف المدحوب، ويتذكر أيام المدرسة التي كانت تتزامن أحيانا مع الشهر الفضيل، إذ تتداخل الحصص الدراسية مع أجواء الصيام، ويعيش الطلاب لحظات رمضانية تحمل طابعا دينيا وتراثيا في آن واحد، ويختم حديثه بتأكيد أن تلك المرحلة، بما فيها من بساطة وصفاء، مازالت تمثل له مصدر اعتزاز ومحبة، موجّها تقديره لأصدقائه الذين شاركوه تلك الأيام. مسجد وبحر وبستان ربما تتداخل الذكريات بين مناطق البحرين بمدنها وقراها.. لكن المشهد واحد: أطفال يكبرون بين النخيل والبحر، بين المسجد والبستان، بين الدراسة واللعب.. رمضان الطفولة لم يكن مجرد شهر في التقويم، بل كان مدرسة للحياة.. وما زالت صفحاته مفتوحة في الذاكرة، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه الحاج محمد عبدالرحمن وهو يوصينا بألا ننسى من نحب.