الشعلة التاجر في مواجهة الشعلة الصحافي

مشكلتنا ثقافة “إلقاء الأعباء”.. والمسؤولية على المجتمع كله للأرقام سحرها.. وللسبق الصحافي دوره في التأثير ربما لن يكون في سياقات الجزء الثاني من حوارنا مع رئيس مجلس إدارة “البلاد” عبدالنبي الشعلة، ذكر في “البودكاست” المترافق مع هذا الحوار، وربما يكون على الهامش من هذه السياقات ما كان أهم، وما قد تكون قد أسقطته العجالة لحظة البث، لكن الأكيد أن حوارات العمر دائمًا ما تتسم بالجمل الاعتراضية، بالهوامش التي تضفي على لحظة الإفصاح جلالها، وعلى قوة التعبير وجدانيات التجلي. 42 سنة أو أكثر لم تمر مرور الكرام في عِلم الزمن، ما دار خلالها من أحداث، وما أنجبته من مواقف، وما تَولّد عنها من أفكار كان لابد من التوقف عندها طويلًا وأنا أجلس أمام قامة فكرية عاصرت صولاتها وجولاتها، وتعاملت مع أدق مراحلها وطموحاتها. لقد تساءلت في مقدمة هذا الحوار عن “الجدلية” المستحبة في شخصية عبدالنبي الشعلة، أكان مع التجار أم كان عليهم؟ وإذا كان عليهم فلماذا كان يتقدم الصفوف، وكان المدافع الأول عن ثوابت “غرفة التجارة” وعن قاماتها الفارعة؟ كيف كان وسيطًا وسطًا في كل الظروف وكل المراحل؟ وكيف استطاع التوفيق بين وجهة نظر الغرفة في مواجهة أشرس معركة خاضتها في القرن العشرين مع الصحافة؟ هل هي الصورة الذهنية التي كان يؤمن بها الشعلة عن التجارة والاقتصاد، وكان شديد الصبر على ترسيخها لدى الوعي الجمعي للناس؟ هل هي الرسالة الواضحة التي كان شديد الإيمان بها؟ هل شخصية الصحافي كانت تنتصر للشعلة أمام الصحفيين فيبدو وكأنه منحاز لمهمتهم المقدسة، مؤمنًا بمتاعبهم التي لا حدود لها؟ أم أنه التاجر الواعي بضرورة الانفتاح على الرأي الآخر حتى يتعرف قيادات الشارع التجاري على ما لهم وما عليهم، خصوصا أن التاجر من دون مستهلك تمامًا مثلما المستهلك من دون تاجر؟ ولو كان أحلاهما مُرا كلاهما يكملان بعضهما بعضا، وكلاهما ولو كان أحلاهما مُرا، فإنه لا غِنى لأحدهما عن الآخر.    مطلوب خلطة سحرية بين الشباب و “الشياب” لإدارة المرحلة   الأسئلة فوق مستوى الشبهات وتعود بنا عقودًا ليست بالقليلة إلى الوراء للتفتيش فيها أو البحث عن أسرارها، أو إعادة بعثها من جديد ليس عدوانًا مع سبق الإصرار، تمامًا مثلما هو ليس ترصدًا من صاحب مبدأ لآخر لا يمتلك القرار. هذا هو ما كان يريد الشعلة “التاجر” أن يوضحه للشعلة “الصحافي”، هو تمامًا ما كان يريد أن يصرح به الشعلة “الوزير سابقًا” و “الشوري القدير” عندما كانت التعقيدات تبحث عن مُخلص لها. هذا الجزء من الحوار ظل وسيظل هو مربط الفرس في علاقة صحافي يبحث عن الحقيقة، أي حقيقة، مع تاجر ووزير وشوري وصحافي مخضرم يبحث هو الآخر عن الحقيقة، وأي حقيقة. كان الحوار قد انتهى في الجزء الأول عند مفترق، عند الرؤية وعند الهدف، رؤية معاصر لزمن جميل، وهدف خبير لديه من التجارب ما يكفي لصياغة مستقبل “كيان التجار” على أسس أكثر سلاسة للخروج بإعادة الهيكلة المطلوبة إلى بر الأمان. “السلبية الافتراضية”.. من المسؤول؟ من المسؤول يا ترى عن “السلبية” الافتراضية التي يسوقها التاجر الصغير بحق “غرفة التجارة” أو “غرفة البحرين”؟ ما زلنا نتبع الثقافة نفسها بفلسفة يمكن تسميتها بـ “إلقاء الأعباء”. مشكلتنا أننا نعود ونريد وضع كل العبء على طرف ما في معادلة المعضلة، إما على الحكومة، أو “راح نقول” غرفة التجارة؛ ثقافة إلقاء الأعباء على الغير. المجتمع كله لابد أن يتحمل المسؤوليات كلها، كل بقدر استطاعته، وكل بحجم طاقته، وكل بنوع نشاطه الاقتصادي، صحيح أننا لا نغض من طرف على حساب طرف آخر، وصحيح أن توزيع الأعباء ثقافة ومسؤولية، وإنما الصحيح أيضًا أننا يجب أن نتعلم، وأن نواصل متابعة التطورات، وأن نقرأ المشهد جيدًا، ثم نعود ونسأل: من هم الذين يقرأون لدينا الآن؟ وسائل المعرفة أصبحت على المحك، مصادرها أيضًا، وأصبحنا نلهث خلفها باحثين عن المعلومة، نتذكر عندما كنت أنا في الصحافة وأنت، الأرقام تلعب دورًا، حتى التواريخ لها أثر، كنا دائمي البحث عنها، وكنا نذوق الأمرين للعثور على رقم يتيم حتى تكتمل قراءتنا للمشاهد؛ حتى يخرج المقال من أيدينا سليمًا معافى. اليوم من خلال ضغطة زر على “الشات” أو “جوجل” يمكننا الحصول على ما نريده من إحصاءات ومعلومات وأرقام، هذه كلها إيجابيات لا يجب غض الطرف عنها ونحن نتحدث عن الـ “AI”، لذا فإن الفوائد من هذه التقنية الرقمية فائقة التطور أكبر بكثير من سلبياتها.  الشباب و “الشياب” هل يقودنا هذا إلى ما نطلق عليه بـ “الاستعانة بالشباب”، وتجاهل الخبرات، بل مطالبتهم بأن يجلسوا على أرائك المتفرجين شأنهم في ذلك شأن أحصنة السباق التي انتهى دورها وينبغي أن ندفعها إلى التقاعد غصبًا؟ لماذا لا تختلط الأجيال السابقة باللاحقة، الشباب مع “الشياب”، من أجل تعظيم الفائدة والاستفادة من الخبرات وفي الوقت نفسه من الطاقات الشبابية الطالعة؟ ما هو العيب في ذلك؟ لا عيب أبدًا، الخلطة السحرية أو السرية واجبة بين ما كان وما سوف نكون عليه، بين الماضي بأحداثه وتجاربه والحاضر بكل عنفوانه ومآربه، الخبرات بما تمتلكه من رصيد تاريخي مهيب، والشباب بعطائهم وجهودهم وتعليمهم الاستباقي المطلوب. لن أترشح هذا يجرنا إلى سؤال أهم، هل يمكن إعادة ترشيح نفسك في الانتخابات المقبلة لمجلس إدارة “غرفة البحرين”؟ أم أنك ستجيب الإجابة التقليدية: سوف أترك المجال للشباب؟ مثلما نقول دائمًا، عقارب الساعة لا تعود أبدًا إلى الوراء، وموقفي لا يجب أن تراه وكأنه تنصّل من مسؤولية، أو هروب من دور، أو حتى تجاهل لمكانة طالما احترمتها وقدرت جهود القائمين عليها. إنني أعتقد بأننا في هذه المرحلة بالذات، أكثر من أي وقت مضى، يجب أن نترك المجال للشباب ليساهموا ويضيفوا على ما بدأناه. في الماضي دخلت انتخابات مجلس إدارة الغرفة، بالتحديد في مارس من العام 1983، رافعًا شعار التجديد أو التغيير أو “فرصة” للدماء والوجوه الجديدة، وهذا الوعد الذي كنت قد قطعته على نفسي قد خالفته وترشحت ثلاث مرات، أما اليوم فلم أعد مستعدًّا لمخالفة الوعد، ولا التنازل عن الشعار الذي قطعته على نفسي في السابق، يكفي فقط ثلاث دورات، ويكفي فقط ما قمنا به وقدمناه لهذا الكيان التجاري العريق.  ويكفي فقط ما شاهدناه من أحداث، وما شاركنا فيه من مرئيات، وما طرحناه من أفكار، وما قمنا به من محاولات، يكفي فقط ما قدمناه، ويكفيني شخصيًّا أن أتوقف عند مرحلة أقول فيها: لا والله، الدماء الجديدة والشباب يجب أن يأخذوا الفرصة، وأن يقوموا بدورهم، بل إنهم يجب أن يكونوا في المقدمة لقيادة الاقتصاد والمجتمع عموما، والنشاط الاقتصادي والتجاري خصوصا. لا تقاعد.. فالروح في العشرين هل هذا يعني تقاعدكم عن العمل التجاري، وعن المشاركة في تجهيز المرئيات وتقديمها للحكومة من أجل تطوير الاقتصاد والارتقاء بالقطاع التجاري؟ بالتأكيد لا، لا أقصد ذلك. ابتعادنا عن المشهد لا يعني تقاعدنا أو تقاعسنا أو الهروب من مسؤولياتنا، المجال أمامنا مفتوح والآفاق رحبة ومتسقة لمشاركة الجميع، العمل أيضًا متوافر وموجود، شريطة أن يواكب المتغيرات، وشريطة أن نقرأ ونتابع ونتحلى بالتكنولوجيا وندعوها للمساهمة معنا في تحليل المعلومات وليس فقط الحصول عليها. هل تلك فلسفة أم قرار؟ قناعتي أننا لا يجب أن نتقاعد ونقول إننا بلغنا من العمر كذا أو كذا، فإذا كان ذلك هو سؤالك الأخير فدعني أختتم ملاحظاتي ببيت الشعر الذي يقول “عمري إلى التسعين يركض مسرعًا .. والروح باقية على العشرين”. دائمًا ما نجعل روحنا هي التي تحركنا، وليس العمر الذي أعدّه مجرد رقم.   انتهى الحوار إلا من كلمة أخيرة وددت لو أختتم بها هذا الحوار الذي ارتبط بالغرفة ولم يبحث في محصول العمر، الحوار الذي نسبق به حدثا لم يحدث، وانتخابات قد لا تتكرر، ومجلس إدارة قد لا يعيش ثلاث مرات وفقًا للوائح وتشريعات ومحاذير اللحظة.  وكلمة أخيرة أقول فيها للشعلة: شكرًا لك على سعة صدرك، على رغم ضيق وقتك، وتزاحم مواعيدك، وتحفظك الذي قرأته من بين السطور، ولمحت أظافره وهي تجذب الحقيقة بعيدًا.. بعيدًا عن مناظرة ظننتها مثل سابقاتها، لكن ذلك لم يكن.