بقلم: زياد فرحان المجالي بدأت الحرب. لكن أخطر ما في الحروب ليس الصاروخ الأول، بل الرواية الأولى. في اللحظة التي دوّت فيها صافرات الإنذار في تل أبيب والقدس والجليل، ومع اعتراض الصواريخ الإيرانية في سماء المدن الإسرائيلية، لم يكتفِ بنيامين نتنياهو بتوصيف ما يجري باعتباره مواجهة عسكرية. بل ذهب أبعد من ذلك، واستدعى سردية تعود إلى نحو 2500 عام، إلى زمن اليهود في بلاد فارس، ليضع الحرب الحالية داخل إطار تاريخي طويل. هنا تغيّر مستوى الخطاب. لم تعد المسألة ردًا على ضربة، ولا إدارة تصعيد محدود، بل "حلقة جديدة في قصة بقاء”. الإشارة التي تعود إلى الحقبة الفارسية ترتبط في الذاكرة الدينية اليهودية بقصة نجاة من تهديد وجودي. في الرواية الرمزية، كان هناك خطر، ثم انقلاب في الموازين، ثم انتصار. عندما يستحضر نتنياهو هذه اللحظة، فهو لا يقدّم مراجعة تاريخية، بل يبني جسرًا نفسيًا بين الماضي والحاضر. المعركة لم تعد فقط بين إسرائيل وإيران. أصبحت — في خطابه — امتدادًا لصراع تاريخي طويل. من الناحية الأكاديمية، العلاقة بين اليهود والإمبراطورية الفارسية لم تكن علاقة إبادة أو طرد جماعي. بل إن التاريخ يسجل لحظة دعم فارسية لعودة اليهود إلى القدس. لكن السياسة لا تبحث عن التعقيد، بل عن الرمز القادر على التعبئة. والرمز في زمن الحرب أقوى من الوقائع. عندما تُقدَّم الحرب بوصفها دفاعًا عن الوجود، يتغير منطقها. الحروب التقليدية يمكن احتواؤها، ويمكن إنهاؤها باتفاق. أما الحروب الوجودية، فتُخاض حتى النهاية. بهذا التأطير، يصبح كل صاروخ إيراني دليلًا على "التهديد التاريخي”، وكل اعتراض إسرائيلي تأكيدًا على "استمرارية البقاء”. تتشكل معادلة نفسية جديدة: لسنا في جولة عسكرية، بل في امتحان تاريخي. اللافت أن هذا الخطاب جاء بينما كانت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت إنذار شامل، والخريطة تتحول إلى اللون الأحمر بسبب صعوبة تحديد مسارات الصواريخ في لحظاتها الأولى. في هذه الأجواء، يصبح استدعاء التاريخ وسيلة لرفع المعنويات وضبط القلق الجماعي. الرسالة مزدوجة: إلى الداخل الإسرائيلي: "لسنا وحدنا، لقد واجهنا هذا من قبل.” وإلى الخارج: "هذه ليست حربًا عادية، بل معركة بقاء.” في المقابل، دعا نتنياهو الشعب الإيراني إلى "التحرك ليصبح حرًا”، في محاولة للفصل بين النظام والشعب. لكن في زمن القصف، تميل المجتمعات إلى الالتفاف حول دولها. وغالبًا ما تتحول الدعوات الخارجية إلى عامل توحيد داخلي، لا إلى شرخ. هنا تكمن المفارقة: الخطاب الذي يُراد به إضعاف الخصم قد يعزز تماسكه. ميدانيًا، ما تزال المواجهة ضمن حدود محسوبة: موجات صاروخية متدرجة، اعتراضات دفاعية، وتصريحات عالية السقف. لكن رمزيًا، السقف ارتفع كثيرًا. حين تتحول الحرب إلى أسطورة، يصبح التراجع أصعب. لأن من يصوغ المعركة كحلقة في قصة عمرها 2500 عام لا يستطيع بسهولة أن يعلن نهايتها بجلسة تفاوض قصيرة. التاريخ في هذه اللحظة ليس مادة أرشيف، بل وقود سياسي. والسردية ليست تفسيرًا، بل تعبئة. السؤال الآن لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ التي ستُطلق أو تُعترض، بل بقدرة القيادات على إعادة الحرب من مستوى "الأسطورة” إلى مستوى "السياسة”. لأن الحروب التي تُدار بالعقل يمكن إنهاؤها. أما الحروب التي تُدار بالرموز، فتحتاج إلى انتصار واضح أو صدمة كبرى كي تتوقف. بدأت الحرب. والصواريخ تسقط أو تُعترض. لكن في الخلفية، تُكتب قصة أكبر من الميدان. إن استمر الخطاب على هذا المنحى، فإن المعركة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل اختبارًا لهوية وسردية وتاريخ. وعندها يصبح الخطر الحقيقي ليس في حجم النار، بل في المعنى الذي تُمنح له. لأن النار يمكن إخمادها. أما الأساطير… فتبقى مشتعلة طويلًا. .