عطارد، الكوكب الأقرب إلى الشمس، لطالما أثار فضول العلماء والباحثين. على الرغم من قربه الشديد من الشمس وظروفه القاسية، إلا أنه يحمل في طياته أسرارًا قد تكشف لنا الكثير عن نشأة النظام الشمسي وتطوره. هذا المقال يستعرض رحلة استكشاف عطارد، بدءًا من الملاحظات الفلكية القديمة وصولًا إلى أحدث البعثات الفضائية والتوقعات المستقبلية لعام 2026. التاريخ المبكر لاستكشاف عطارد في العصور القديمة، كان عطارد معروفًا للحضارات البابلية والإغريقية، الذين أطلقوا عليه أسماء مختلفة اعتمادًا على ظهوره في السماء. مع اختراع التلسكوب، بدأ الفلكيون في إجراء ملاحظات أكثر تفصيلاً، لكن قرب عطارد الشديد من الشمس جعله هدفًا صعبًا للدراسة. في القرن العشرين، تمكن العلماء من تقدير حجمه ودورانه باستخدام القياسات الرادارية. مهمة مارينر 10: أول نظرة عن قرب في عام 1974، أصبحت مهمة مارينر 10 التابعة لناسا أول مهمة فضائية تحلق بالقرب من عطارد. خلال ثلاث تحليقات متتالية، تمكنت مارينر 10 من تصوير حوالي 45% من سطح الكوكب، وكشفت عن سطحه المليء بالفوهات الصدمية والسهول الشاسعة. اكتشفت المهمة أيضًا وجود مجال مغناطيسي ضعيف حول عطارد، وهو اكتشاف مفاجئ نظرًا لصغر حجم الكوكب وبطء دورانه. مهمة ماسنجر: رسم خريطة شاملة لعطارد في عام 2004، أطلقت ناسا مهمة ماسنجر، وهي أول مهمة فضائية تدور حول عطارد. خلال أربع سنوات من العمل في المدار، جمعت ماسنجر بيانات مفصلة عن سطح الكوكب وتركيبه الداخلي ومجاله المغناطيسي وغلافه الجوي الرقيق. كشفت ماسنجر عن وجود مركبات متطايرة مجمدة في الفوهات المظللة بشكل دائم بالقرب من القطبين، مما يشير إلى وجود جليد مائي على سطح الكوكب. مهمة بيبى كولومبو: نظرة أوروبية يابانية إلى المستقبل (2026) في عام 2018، أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) مهمة بيبى كولومبو، وهي مهمة طموحة تهدف إلى دراسة عطارد بتفصيل أكبر من أي وقت مضى. من المتوقع أن تصل بيبى كولومبو إلى عطارد في عام 2025، وستقضي عامًا واحدًا على الأقل في المدار، وربما تمتد مهمتها إلى عام 2026، وستقوم بجمع بيانات حول سطح الكوكب وتركيبه الداخلي ومجاله المغناطيسي وغلافه الجوي الرقيق. تحمل بيبى كولومبو مجموعتين من الأدوات العلمية، أحدهما مصمم لدراسة الكوكب من مسافة بعيدة والآخر مصمم لدراسة البيئة المحيطة بالكوكب. النتائج العلمية الرئيسية والاكتشافات أدت مهمات مارينر 10 وماسنجر إلى العديد من الاكتشافات العلمية الهامة حول عطارد. على سبيل المثال، كشفت المهمتان عن أن عطارد يمتلك نواة حديدية كبيرة بشكل غير عادي، تشكل حوالي 85% من نصف قطره. كما كشفت المهمتان عن أن سطح عطارد مغطى بطبقة سميكة من الصخور البركانية، مما يشير إلى أن الكوكب كان نشطًا بركانيًا في الماضي. بالإضافة إلى ذلك، اكتشفت المهمتان وجود مركبات متطايرة مجمدة في الفوهات المظللة بشكل دائم بالقرب من القطبين، مما يشير إلى وجود جليد مائي على سطح الكوكب. تشير التقديرات إلى أن هذه المناطق قد تحتوي على ما يصل إلى 100 مليار طن من الجليد المائي. التحديات والفرص المستقبلية لا يزال استكشاف عطارد يمثل تحديًا كبيرًا بسبب قربه الشديد من الشمس وظروفه القاسية. ومع ذلك، فإن التطورات التكنولوجية الحديثة تفتح فرصًا جديدة لاستكشاف الكوكب. على سبيل المثال، يمكن استخدام المركبات الفضائية التي تعمل بالطاقة الشمسية لاستكشاف المناطق القريبة من الشمس بشكل أكثر كفاءة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الروبوتات والطائرات بدون طيار لاستكشاف سطح الكوكب بتفصيل أكبر. من المتوقع أن تقدم مهمة بيبى كولومبو رؤى جديدة حول عطارد وتساعد في الإجابة على بعض الأسئلة الأساسية حول الكوكب. على سبيل المثال، يمكن أن تساعد المهمة في تحديد التركيب الدقيق للجليد المائي الموجود في الفوهات القطبية. وفقًا لتقديرات وكالة الفضاء الأوروبية، يمكن أن تساعد البيانات التي تم جمعها بواسطة بيبى كولومبو في تحسين فهمنا لتكوين الكواكب وتطورها. الخلاصة استكشاف عطارد يمثل رحلة مستمرة من الاكتشافات. من الملاحظات الفلكية القديمة إلى أحدث البعثات الفضائية، تعلمنا الكثير عن هذا الكوكب الغامض. مع استمرارنا في استكشاف عطارد، نأمل في الكشف عن المزيد من الأسرار حول نشأة النظام الشمسي وتطوره. .