بقلم: د. عماد عياصره في كل عام تتكرر المشاهد ذاتها: وفرة إنتاج تُسقط الأسعار إلى ما دون كلفة الإنتاج، أو إغلاق مفاجئ لأحد الأسواق التصديرية، أو موجة حرّ أو صقيع تمحو تعب موسم كامل. نتعامل مع كل حالة بوصفها أزمة طارئة، وننشغل بإجراءات إسعافية سريعة، ثم ننتظر الموسم التالي. لكن الحقيقة التي لم نواجهها بوضوح بعد هي أن هذه الأزمات ليست استثناءً، بل نتيجة طبيعية لخللٍ بنيوي في منظومة إدارة القطاع الزراعي. الزراعة في الأردن ليست قطاعاً هامشياً يمكن التعامل معه بعقلية التجربة والخطأ. إنها ركيزة من ركائز الأمن الغذائي الوطني، وأداة استقرار اجتماعي في المحافظات، ومصدر دخل لآلاف الأسر، ومكوّن أساسي في معادلة السيادة الاقتصادية. وفي إقليم يشهد اضطرابات سياسية وتجارية متكررة، تصبح القدرة على إنتاج الغذاء محلياً مسألة أمن وطني بامتياز، لا مجرد نشاط اقتصادي تقليدي. ومع ذلك، ما زلنا ندير هذا القطاع بعقلية ردّ الفعل، لا بعقلية التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. الخلل في البنية لا في الموسم المشكلة ليست في محصول بعينه، ولا في موسم تصديري معين، بل في البنية العامة للقطاع. تفتت الحيازات الزراعية إلى مساحات صغيرة يرفع الكلفة التشغيلية ويحدّ من إمكانية إدخال التكنولوجيا الحديثة وتحقيق اقتصاديات الحجم. غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة يجعل قرارات الزراعة تعتمد على التوقعات الفردية، فيتجه الجميع إلى زراعة المحصول نفسه، لتحدث الوفرة التي تتحول سريعاً إلى خسارة جماعية. كما أن ضعف التنظيم التسويقي يجعل المنتج يخرج من المزرعة دون عقود مسبقة أو ضمانات سعرية، فيبقى المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة يتحكم بها الوسطاء وتقلبات السوق. أضف إلى ذلك ارتفاع كلف الطاقة والنقل ومدخلات الإنتاج، وتذبذب السياسات بين الدعم والانكماش، لتتشكل بيئة غير مستقرة تُضعف الثقة وتحدّ من الاستثمار. ورغم هذه الصورة، يمتلك الأردن مقومات حقيقية للنهوض. لدينا خبرة متقدمة في الزراعة المحمية، وموقع جغرافي يتيح الوصول السريع إلى أسواق الخليج، وسمعة جيدة في بعض المنتجات الطازجة. كما يمتلك القطاع طاقات بشرية شابة قابلة للتطوير. الإشكالية ليست في نقص الموارد، بل في غياب إدارة تكاملية لسلسلة القيمة، وفي غياب رؤية وطنية جامعة. إعادة صياغة دور الدولة الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف دور الدولة. لم يعد مقبولاً أن يقتصر الدور الحكومي على التدخل عند وقوع الأزمات. المطلوب أن تتحول الدولة إلى مخطط استراتيجي ومنظم للسوق، يضع الإطار العام ويوجه الموارد بكفاءة. هنا يبرز الدور المركزي لـ وزارة الزراعة الأردنية باعتبارها الجهة القادرة على قيادة رؤية وطنية واضحة حتى عام 2035، قائمة على أهداف قابلة للقياس ومؤشرات أداء محددة. هذه الرؤية يجب أن تربط الدعم بالإنتاجية، وبكفاءة استخدام المياه، وبالقيمة المضافة التي يحققها المنتج، لا بمجرد المساحة المزروعة. كما أن التكامل بين السياسات الزراعية وسياسات الصناعة والتجارة والمياه والاستثمار أصبح ضرورة لا خياراً. فالزراعة الحديثة تتقاطع مع الأمن الغذائي، والتصنيع الغذائي، والتصدير، وإدارة الموارد الطبيعية، والتشغيل في المحافظات. وأي إصلاح جزئي لن يحقق التحول المطلوب. من الدعم إلى الاستثمار وإدارة المخاطر الدعم التقليدي، بصورته الحالية، يوفر مسكّناً مؤقتاً لكنه لا يبني قطاعاً قادراً على المنافسة. المطلوب هو الانتقال إلى أدوات استثمار حديثة وإدارة منهجية للمخاطر. إن إنشاء صندوق وطني لضمان مخاطر الاستثمار الزراعي سيمنح البنوك ثقة أكبر في تمويل المشاريع طويلة الأجل، وسيخفف كلفة الاقتراض على المزارعين والشركات الزراعية. كما سيشجع الاستثمار في البنية التحتية الحيوية مثل التخزين المبرد، وسلاسل التبريد، والتعبئة والتغليف، والتصنيع الغذائي. الزراعة يجب أن تُدار بعقلية استثمارية، لا بعقلية إعاشية. فالمزارع ليس طالب دعم دائم، بل شريك اقتصادي يحتاج إلى بيئة مستقرة وأدوات تمويل عادلة ليطور عمله وينافس في الأسواق. المياه… جوهر المعادلة في بلد يُعد من أفقر دول العالم مائياً، لا يمكن الحديث عن إصلاح زراعي دون إعادة صياغة العلاقة بين الزراعة والمياه. كل قرار زراعي هو في جوهره قرار مائي. المرحلة المقبلة تفرض تعميم أنظمة الري الذكية، والتوسع المدروس في استخدام المياه المعالجة وفق معايير صحية صارمة، وإعادة توجيه الخريطة الزراعية نحو محاصيل ذات قيمة مضافة أعلى واستهلاك مائي أقل. كما ينبغي اعتماد مفهوم "القيمة الاقتصادية لكل متر مكعب ماء” كمؤشر وطني يوجّه السياسات والقرارات. المياه ليست فقط مورداً طبيعياً، بل عنصر سيادي يحدد مستقبل التنمية الزراعية في الأردن. نقطة التحول: ما بعد الحصاد الخسارة الكبرى في القطاع الزراعي لا تحدث أثناء الإنتاج، بل بعده. ضعف التخزين، وغياب أنظمة التصنيف والتدريج القياسية، ونقص العقود المسبقة، وغياب علامة تجارية وطنية قوية، كلها عوامل تؤدي إلى تآكل القيمة. عندما يُباع المنتج كسلعة خام دون معالجة أو تعبئة أو تغليف احترافي، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته السوقية. أما حين يتحول إلى منتج مصنّع أو شبه مصنّع يحمل هوية تجارية واضحة، فإن هامش الربح يرتفع، وتتغير المعادلة الاقتصادية بالكامل. تطوير أسواق مركزية حديثة تعتمد أنظمة تتبع وجودة، وتشجيع التصنيع الغذائي في المحافظات، وبناء علامة تجارية موثوقة للمنتج الأردني، تمثل عناصر أساسية لتحويل الفائض الموسمي إلى فرصة اقتصادية مستدامة. التحول الرقمي والزراعة القائمة على المعرفة لم تعد الزراعة في العالم تعتمد على الخبرة المتوارثة وحدها، بل أصبحت قطاعاً قائماً على البيانات والتحليل والتكنولوجيا. استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأمراض والآفات، وتحليل اتجاهات الأسعار، أصبح جزءاً من الإدارة الحديثة للقطاع. إن إنشاء منصة وطنية رقمية للبيانات الزراعية سيوفر خريطة إنتاج محدثة، ومؤشرات أسعار آنية، ونظام إنذار مبكر للأزمات. هذا التحول سيقلل الهدر، ويرفع الكفاءة، ويمنح صانع القرار القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة لا على تقديرات شخصية. الشباب والمرأة… مستقبل القطاع إعادة تشكيل صورة الزراعة ضرورة حتمية. الزراعة الحديثة يمكن أن تكون قطاعاً جاذباً للشباب إذا ارتبطت بالتكنولوجيا وريادة الأعمال والابتكار. إدخال مساقات ريادة الأعمال الزراعية في الجامعات، وإنشاء حاضنات متخصصة، وتمكين المرأة الريفية من الوصول إلى التمويل والأسواق، سيخلق جيلاً جديداً من المنتجين القادرين على المنافسة. إذا أُعيد تصميم القطاع بعقلية اقتصادية حديثة، يمكن للزراعة أن تصبح محركاً حقيقياً للتشغيل في المحافظات، وأن تسهم في الحد من البطالة والهجرة الداخلية. القرار الذي لا يحتمل التأجيل إصلاح القطاع الزراعي ليس مسألة فنية فحسب، بل قرار سياسي استراتيجي يتعلق بمستقبل الاستقرار الوطني. استمرار الإدارة القائمة على ردود الفعل سيقود إلى مزيد من الاعتماد على الاستيراد، وضغوط اجتماعية في المناطق الريفية، وتراجع تدريجي في الإنتاج المحلي. نحن بحاجة إلى رؤية وطنية واضحة للأعوام 2026–2035، تبدأ بتنظيم السوق وبناء قاعدة بيانات دقيقة، ثم تطوير سلاسل القيمة والتصنيع الغذائي، وصولاً إلى التحول الشامل نحو الزراعة الذكية المستدامة. الزراعة في الأردن خيار استراتيجي لا بديل عنه. والاستثمار في الأرض هو استثمار في الأمن الوطني. لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن الدعم المؤقت إلى الاستثمار المستدام، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي. فالأرض، كما التاريخ، لا تنتظر المترددين .