لم تعد المنطقة تعيش على إيقاع "الضربات المحسوبة” أو الرسائل غير المباشرة. ما نشهده اليوم هو انتقال صريح من صراع الظل إلى مواجهة مفتوحة، تكشف أن الشرق الأوسط بات ساحة صدام بين مشروعين إقليميين كبيرين: مشروع تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل، ومشروع تقوده إيران. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً أمنياً عابراً ، بل حلقة متقدمة في صراع طويل على شكل الإقليم وموازين قوّته. قبل نحو عام، تناولتُ في مقال عن "المشاريع الإقليمية في الشرق الأوسط” كيف تتنازع قوى إقليمية متعددة النفوذ في ظل غياب مشروع عربي موحّد قادر على صياغة توازن مستقر. اليوم، ومع خروج المواجهة إلى العلن، يتأكد أن تلك القراءة لم تكن توصيفاً نظرياً بقدر ما كانت استشرافاً لمسارٍ أخذ يتبلور مع تآكل القواعد التي حكمت الصراع لسنوات طويلة. حرب الاثني عشر يوماً : ضربة بلا حسم تُظهر تجربة "حرب الاثني عشر يوماً ” التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران محدودية الرهان على الحسم العسكري السريع. فعلى الرغم من كثافة الضربات واتساع نطاقها، لم تُفضِ الحملة إلى كسر إرادة الخصم أو فرض معادلة جديدة مستقرة للردع، بل أسهمت في رفع سقف الاشتباك وتوسيع دائرة المخاطر الإقليمية. والنتيجة العملية أن منطق "الضربة القاصمة” لم يتحقق، فيما ازدادت احتمالات الرد المتبادل وتعقّدت حسابات الاحتواء. مفاوضات بلا نتائج : حين تتصادم المشاريع بالتوازي مع المسار العسكري، كانت قنوات التفاوض بين الوفود الأمريكية والإيرانية قائمة، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق ملموس. فكل طرف دخل المفاوضات من منطلق مشروعه الإقليمي وأولوياته غير القابلة للتنازل: طرف يسعى إلى تقييد أدوات الردع لدى خصمه ومنع تحوّله إلى قدرة تغيّر قواعد اللعبة، وطرف يرى في ذلك مساساً بجوهر أمنه ودوره الإقليمي. هكذا تحوّلت المفاوضات إلى إدارة للخلاف أكثر منها سعياً للتسوية، ما أبقى جذوة التصعيد مشتعلة تحت السطح، ثم دفعها لاحقاً إلى الواجهة. صدام المشاريع: ماذا يريد كل طرف؟ يقوم المشروع الأمريكي–الإسرائيلي على تثبيت تفوق عسكري نوعي ومنع خصمه الإقليمي من امتلاك أدوات ردع تغيّر قواعد اللعبة. يستند هذا المشروع إلى المبادرة العسكرية، والتفوّق التكنولوجي والاستخباراتي، وشبكة تحالفات إقليمية ودولية تمنحه غطاءً سياسيًا ولوجستيًا. هذا النموذج يمنح صاحبه قدرة على فرض الإيقاع ونقل المعركة إلى عمق الخصم عند الضرورة، لكنه في المقابل يوسّع دائرة الرد المحتمل ويرفع كلفة أي خطأ في الحسابات. في الجهة المقابلة، يسعى المشروع الإيراني إلى ترسيخ معادلة ردع مختلفة، قوامها بناء عمق إقليمي وشبكة نفوذ متعددة الساحات، واستخدام أدوات غير متماثلة ترفع كلفة الاستهداف المباشر. وقد نجحت هذه المقاربة لسنوات في إدارة الصراع دون انفجار شامل، غير أن الانتقال إلى ضربات مباشرة يضع هذا النموذج أمام اختبار قاسٍ : كيف يمكن الحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة تتجاوز القدرة على التحكم بإيقاعها؟ لماذا الآن؟ تآكل قواعد الاشتباك لم يأتِ هذا التصعيد من فراغ. تراكمت خلال السنوات الماضية الضربات المحدودة والرسائل المتبادلة والضغوط السياسية الداخلية لدى الأطراف الفاعلة، ما أدّى إلى تآكل تدريجي لقواعد الاشتباك غير المعلنة. ومع انسداد مسارات الاحتواء الفعّالة، تحوّل منطق "التحذير بالقوة” إلى استخدام مباشر للقوة. هكذا خرج الصراع من هامش الإنكار إلى واجهة المشهد الإقليمي، بما يحمله ذلك من مخاطر سوء التقدير وسرعة الانزلاق. وما الملف النووي والأسلحة البالستية إلا ذرائع بيتمكن خلفها اصل الصراع . الكلفة الإقليمية: من يدفع الثمن؟ الخاسر الأكبر في صراع المشاريع ليس طرفاً بعينه، بل الإقليم ككل. فالدول العربية—التي كثيراً ما وُضِعت في موقع ساحات التأثير لا مراكز القرار—تجد نفسها أمام معضلة مركّبة: حماية مصالحها الحيوية من أمن الملاحة والطيران إلى استقرار الطاقة والاقتصاد، دون الانجرار إلى مواجهة لا تمتلك أدوات التحكم بمسارها. وهنا يتجلى ثمن غياب مشروع عربي موحّد قادر على فرض حدّ أدنى من التوازن، أو على الأقل تخفيف كلفة التصعيد على المجتمعات والاقتصادات المحلية. سيناريوهات الأيام المقبلة السيناريو الأول: احتواء محسوب ضربات محدودة ورسائل ردع متبادلة، يتبعها ضغط دبلوماسي لإعادة الصراع إلى "حافة الهاوية” بدل السقوط فيها. سيناريو يحفظ ماء الوجه للأطراف ويقلّص الخسائر، لكنه هشّ وقابل للانهيار مع أي حادث غير محسوب. السيناريو الثاني: تصعيد متدرّج اتساع رقعة الاستهداف وارتفاع المخاطر على المصالح والبنى الحيوية في الإقليم، بما يزيد احتمالات الخطأ ويضاعف الكلفة الاقتصادية والأمنية على دول ليست طرفاً مباشراً في الصراع. السيناريو الثالث: انفجار أوسع ( الأخطر والأقل احتمالاً ) انخراط أطراف إضافية وتدويل أكبر للصراع مع احتمالية ان يكون الطرف العربي احد أركانها ، مع كلفة بشرية واقتصادية باهظة وإعادة تشكيل قسرية لمعادلات الأمن الإقليمي. في النتيجة فالشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق: إمّا إعادة صياغة قواعد اشتباك أقل خطورة تحفظ الردع دون تفجير شامل، أو استمرار منطق كسر الإرادات مهما ارتفعت الكلفة. تجربة "حرب الاثني عشر يوماً” وفشل مسار التفاوض يؤكدان أن الرهان على الحسم العسكري أو التسويات الشكلية لا يُنتج استقراراً ، طالما أن جوهر الصراع هو تصادم مشاريع لا نزاعاً تقنياً قابلاً للحل السريع. الرهان العقلاني الوحيد هو خفض منسوب الانفجار قبل تجاوز نقطة اللاعودة. .