من صنعاء إلى مقديشو: كيف توحّد أزمات اليمن والقرن الإفريقي المشهد الأمني للبحر الأحمر؟

د. عبد الله محمد فارح - خاص ترك برس لم يعد البحر الأحمر مجرد ممرّ مائي يصل آسيا بإفريقيا، ولا ممراً اقتصادياً تتحرك عبره سفن التجارة بين الشرق والغرب. فقد تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة لاضطرابات إقليمية متشابكة، تمتد خيوطها من جبال اليمن المضطربة إلى السواحل الصومالية الهشّة. وما كان يُنظر إليه سابقاً كمسرح منفصل للأزمات، بات اليوم مساحة أمنية واحدة تتقاطع فيها حسابات القوى الدولية والإقليمية، حيث تؤثّر حركة الصواريخ من صنعاء في حركة الموانئ عند مقديشو، ويؤدي أي نزاع في القرن الإفريقي إلى إعادة رسم معادلات الملاحة قبالة سواحل اليمن. في هذا المشهد المركّب، يصبح السؤال: كيف تداخلت الأزمات اليمنية والصومالية إلى هذا الحدّ؟ ولماذا أصبح الأمن في البحر الأحمر قضية واحدة، رغم اختلاف الدول والسياقات؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من قراءة المسار من زاوية سردية تربط بين التحولات العسكرية في اليمن، وتفتت الدولة في الصومال، وتنافس القوى العالمية على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. اليمن: من حرب داخلية إلى مصدر اضطراب بحري دولي أزمة اليمن لم تبقَ داخل حدودها الجغرافية. فالحرب التي بدأت بصراع سياسي سرعان ما تجاوزت الدولة، لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية تشمل الخليج والبحر الأحمر. ومع تصاعد نفوذ جماعة الحوثي، برز البعد البحري في الأزمة كعامل مركزي يهدد الملاحة الدولية. منذ عام 2015، أصبحت الهجمات الحوثية، سواء عبر صواريخ أو زوارق مفخخة أو محاولات السيطرة على الممرات البحرية، جزءاً من "حرب الظل" التي تخوضها أطراف متعددة. وقد أثّرت هذه العمليات بصورة مباشرة على سفن التجارة العالمية، لا سيما مع اقترابها من باب المندب، بوابة البحر الأحمر. لم تكن هذه التحولات مجرد تطورات عسكرية، بل إعادة صياغة للنظام الأمني في المنطقة. فالممر الضيق الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر أصبح رهينة للمعادلات اليمنية. وحين تتصاعد الهجمات، تتحرك الأساطيل الدولية، وتتغير طرق النقل، وتتأثر سلاسل الإمداد العالمية. وهكذا، صار أمن البحر الأحمر مرهونًا بالتحولات السياسية في اليمن، مهما بدت مدن الداخل بعيدة جغرافيًا عن الممرات البحرية. الصومال: هشاشة الدولة وانكشاف الساحل أمام القوى الإقليمية على الضفة المقابلة من البحر الأحمر، تقف الصومال كدولة تعاني منذ عقود من ضعف مؤسساتها، وتعدد القوى داخل حدودها، وصراع بين الحكومة المركزية والولايات. هذه الهشاشة لم تبقَ محصورة في إطار سياسي داخلي، بل امتدّت لتطال الساحل الصومالي الممتد على المحيط الهندي وخليج عدن. وداخل بيئة تعاني من غياب ضبط السواحل، ازدهرت القرصنة في العقد الأول من الألفية، ما أدى إلى تدخل دولي واسع لحماية السفن التجارية. ورغم تراجعها لاحقًا، ظلّ الساحل الصومالي نقطة ضعف استراتيجية يمكن استغلالها في حالات فراغ السلطة أو تفكك الأمن. وتزداد أهمية الصومال في سياق الأزمات اليمنية لأن ضعف الدولة الصومالية يعني سهولة تحوّل مناطقها الساحلية إلى منصات غير مباشرة يؤثر غياب قدرتها على السيطرة في البيئة البحرية. كما أن أي صراع في اليمن يخلق تدفقات بشرية وتجارية وأمنية تتجه نحو القرن الإفريقي، ما يجعل الدولتين مرتبطتين بأزمة واحدة. وقد أشارت دراسة لمركز Chatham House (2021) إلى أن “الهشاشة الصومالية لا تنفصل عن الأمن البحري في البحر الأحمر، وأن ضعف السيطرة الحكومية على السواحل يمكن أن يحوّل أي أزمة إقليمية إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية” (Chatham House, 2021).. وإن هذا الارتباط يكشف أن البحر الأحمر لا يتعامل مع الدول كوحدات منفصلة، بل كممر واحد يتأثر بأضعف نقطة على ساحله. البحر الأحمر كمسرح واحد: تلاقي مصالح القوى الدولية والإقليمية حين ننظر إلى البحر الأحمر اليوم، نرى مسرحاً واحداً تتحرك فيه أربعة مستويات من القوى؛ القوى الدولية كالولايات المتحدة والصين، والقوى الإقليمية كتركيا ودول الخليج، والدول الساحلية نفسها، والفاعلين غير الدوليين الذين يستغلون الفوضى. وفي هذا المسرح، تصبح الأزمة اليمنية والصومالية جزءًا من معادلة أكبر، تبدأ من ممرات التجارة العالمية وتنتهي في موانئ شرق إفريقيا. القوى الخليجية تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه شريانًا استراتيجياً للأمن الغذائي والطاقة. وتركيا ترى في القرن الإفريقي امتداداً لنفوذها البحري، بينما تسعى الصين لتعزيز حضورها عبر مشروع "الحزام والطريق" الذي يجعل الموانئ الإفريقية نقاط ارتكاز. أما الولايات المتحدة، فهي تراقب تحركات الجميع خشية تحول البحر الأحمر إلى مساحة نفوذ صينية أو إيرانية. في هذا السياق، تصبح أزمات اليمن والصومال ليست مجرد أحداث محلية، بل عقدة مركزية في معادلة الأمن البحري العالمي. فتعطل الملاحة في باب المندب يؤثر على أوروبا وآسيا وإفريقيا، ويعيد تشكيل خرائط التجارة وأسعار الطاقة وموازين التحالفات الدولية. وهكذا، تتوحّد الأزمة اليمنية والهشاشة الصومالية في مشهد واحد، لأنهما يتحركان على خط واحد: خط الأمن البحري الذي لا يقبل الفراغ، ولا يحتمل التجزئة. خلاصة القول: من صنعاء إلى مقديشو، يتبين أن ما يحدث في أحد طرفي البحر الأحمر لا يبقى هناك، بل ينتقل بأثره إلى الضفة الأخرى، لأن الممر البحري يجمع الدول أكثر مما تفرّقها الحدود. فقد كشف العقد الأخير أن اليمن والصومال ليسا ساحتين منفصلتين، بل نقطتا ارتكاز في مشهد أمني واحد، تتقاطع فيه مصالح القوى الدولية وتتحرك داخله أدوات النفوذ الإقليمي. وكلما تعمّقت الأزمة في اليمن، ازداد الضغط على سواحل القرن الإفريقي. وكلما تراجعت مؤسسات الصومال، أصبح البحر الأحمر أكثر عرضة للاختراق. ولهذا، فإن أي مقاربة لحل أزمة البحر الأحمر لا يمكن أن تتجاهل هذا الترابط، ولا يمكن أن تعالج اليمن بمعزل عن القرن الإفريقي، ولا أن تدعم الصومال دون فهم المعادلة البحرية الأكبر. إن استقرار البحر الأحمر لن يتحقق إلا من خلال رؤية شاملة تُعيد بناء الدولة في الصومال، وتعالج جذور الأزمة اليمنية، وتضع قواعد مشتركة لإدارة الممرات البحرية بعيداً عن الصراع الجيوسياسي. فالأمن في هذه المنطقة ليس خياراً، بل ضرورة عالمية ترتبط بالتجارة الدولية، والتحالفات الكبرى، وبمصير شعوب تمتد حياتها على ضفتي البحر. المرجع Chatham House. (2021). Red Sea Security: Fragmentation, Fragility, and Strategic Competition. Royal Institute of International Affairs.