في قصر السلام كان اللقاء الأخوي الكبير لتأكيد العلاقات الوثيقة والتاريخية بين مصر والسعودية والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات، وبحث عدد من الموضوعات العربية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.فعلاقات الشقيقين الكبيرين تمثل نموذجاً راسخاً للتكامل العربي والشراكة الإستراتيجية التي ترتكز على وحدة المصير وتطابق المصالح، وتملك تاريخاً طويلاً من التنسيق والتضامن في مواجهة كافة التحديات.من المعلوم بالضرورة أن مقتضيات الزعامة، ومتطلبات القيادة لدى الأشخاص لا تقوم إلا بشروط ينيف بها صاحبها عن غيره، فيعلو بها ذكره، ويسمو بها قدره، ويستحق بها أن يُسوّد في قومه، ويقدّم في رهطه، تقديم تكليف بجدارة، وتشريف باستحقاق، وجماع ذلك كله في أمرين مهمين؛ أولهما تكامل الصفات الشخصية والمزايا بلا شبه تشينه، ولا ريب تحط من قدره، مع عقل وافر، وحكمة بالغة، وعزم ماضٍ، وشدةٍ منزوع عنها شوك الفظاظة، ولين مسلوب عنه خور الضعف وقلّة الحيلة، وغيرها مما هو معروف ومتوارث عن صفات الزعماء، ومزايا القياديين الأفذاذ.وثانيهما القدرة المادية التي تعينه على النهوض بأعباء الرئاسة وتكاليف الزعامة، من صرف بلا بذخ، وتدبير لشؤون الغير على بساط المواددة والإيلاف وتضميد الجراح، والإعانة بغير منٍ ولا أذى ولا رياء أو سمعة.فلئن كان ذلك منظور في زعامة الأشخاص، فهو ينطبق تمام الانطباق على الدول نفسها، بصورة أو أخرى، فلا تبلغ أي دولة مبلغ الريادة ما لم تكن مسنودة بقيادة راشدة حكيمة، لها من القدرة المادية والمالية ما يحمل قرارها إلى مناط التنفيذ الفوري، ويجعل يدها العليا، ويبقيها في مركز القوة بلا حاجة إلى معونة من أحد، بما يسم علاقتها بالدول الأخرى بميسم الندية، ويشج علاقتها الاقتصادية بواشجة تبادل المنافع خدمة لشعبها، وتواصلاً مثمراً مع دول العالم كافة.هذا توصيف ينطبق تمام الانطباق على حاضر المملكة في هذا العهد الزاهر، عهد «سلمان الحزم والعزم»، و«محمد الرؤية».فمن سديد القول وراجحه أن المملكة في حاضرها المعيش أصبحت رقماً عصيّاً على التجاوز، على المستويين الإقليمي والعالمي، وتكفي الإشارة فقط إلى موقعها الطليعي بين مجموعة العشرين، والدور المحوري الذي تلعبه فيها، بما وضع على كاهلها مسؤوليات جساماً في ما يتصل بالملفات العربية والخليجية والإسلامية، فباتت في موقع الزعامة استحقاقاً وجدارة، كفاء ما تتمتع به من قيادة حكيمة، وقدرات مالية هي موضع تسخير وعون للإنسانية جمعاء، ناهيك عن الدول العربية والإسلامية.ومن مظاهر الحكمة لدى القيادة السعودية، وجدارتها بالزعامة حرصها المطلق على فتح الأبواب، والمشورة، والسعي الدائب لتنسيق المواقف، وتقريب وجهات النظر، وهو عين ما يسم العلاقة بينها وبين الشقيقة مصر، وما الزيارة الأخيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إلا إحدى تجليات هذا التنسيق و«الهارموني» السياسي الذي يتمتع بها البلدان الشقيقان حيال كافة الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك إقليمياً ودولياً، من واقع أن كلا البلدين ينتهج السياسات نفسها في ما يتصل بتشجيع الحلول السلمية إزاء كافة المعضلات والنزاعات الإقليمية والدولية، ويتجلى ذلك في ملفات سوريا، وليبيا، والسودان، واليمن، والعراق، ولبنان، والقضية الفلسطينية، وما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغيرها من الملفات الساخنة على الساحة العربية والإسلامية، وحرص البلدين على حتمية إحلال السلم والأمن والاستقرار في المنطقة عموماً والعالم، مع التشديد على معارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، أو تهديد استقرارها وتقويض مصالح شعوبها.إن زيارة الرئيس المصري الأخيرة تكتسب أهميتها من واقع تزامنها مع ما تشهده المنطقة من تطورات خطيرة، وبخاصة بعد التصريح غير المسؤول الذي أدلى به السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي حول إمكانية «سيطرة» إسرائيل على مساحة شاسعة من الشرق الأوسط على أسس توراتية، فالتحديات المستقبلية حيال مثل هذه التصريحات الخطيرة، وغيرها من القضايا الأخرى تستوجب تنسيقاً في المواقف، وتوسيع دائرة المشورة، والخروج بموقف عربي واحد ومتسق، وهو أمر تضطلع به المملكة وتنهض نهوض مسؤولية وجدارة وزعامة مستحقة.غير غافلين حاجة مصر للسند السعودي في ما يتصل بأمنها المائي، ودعوتها المستمرة إلى ضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم لتعبئة وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية تضر بالحصص التاريخية لمصر والسودان على السواء.. فضلاً عن الملف الأمني في البحر الأحمر وتأمين خطوط الملاحة الدولية في ظل التوترات الإقليمية والتهديدات المستمرة لسلاسل الإمداد العالمي، وغيرها من القضايا والملفات التي لا شك أن هذه الزيارة على قصر مدتها، قد عالجتها بشكل حازم وحكمة بالغة، بما يبشّر بثمارها قريباً على أرض الواقع المنظور.