نظرية التوازن بين الجيب الفارغ والخطاب المُتخم: مدينة الاستعراضات أوستينشيا مثالاً #عاجل

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - لا تُقاس المؤشرات الاقتصادية في أوستينشيا بالأرقام، بل بارتفاع المنصات وعدد الميكروفونات. هناك، كلما ازداد عدد الخُطب، ازداد عمق الجيب فراغاً. وكلما تضخّم البيان، انكمش الرغيف. ومن هنا وُلدت نظرية التوازن بين الجيب الفارغ والخطاب المُتخم (The Empty Pocket -Bloated Rhetoric Equilibrium Theory ) التي حازت على جائزة الـ (BS). وهي نظرية بسيطة، بقدر ما هي من النوع السهل الممتنع. فكل فائض في البلاغة يقابله عجز في القدرة الشرائية عند المواطن، وكل ازدهار في الشعارات يقابله كساد في الأسواق. تقول النظرية إن الاقتصاد في أوستينشيا يعمل وفق قانون حفظ الكلام (Law of Rhetoric Conservation )، ومفاده بأن لا شيء يضيع، بل يتحوّل. وهو قانون يشبه قانون حفظ الطاقة. فتتحوّل الأزمات إلى مؤتمرات، والبطالة إلى ورش عمل، والفقر إلى مصطلح جديد أقل إحراجاً. أما النتائج فتبقى ثابتة، وتكون البطون الجائعة أكثر عدداً، والوظائف أقل حضوراً، والتقارير أطول عمراً من المشاريع. والتنمية التي تُشبع الميكروفونات وتُجوِّع المعدة. وفي المدينة ذاتها، لا تُقاس التنمية بعدد المصانع ولا بإنتاجية العامل، بل بعدد إطلاق المبادرات. فكل أسبوع تُطلق مبادرة، وكل شهر يُدشَّن برنامج، وكل عام تُعلَن رؤية تمتد إلى عامٍ أبعد. لكن الرؤية الوحيدة الواضحة هي ازدياد صفوف الباحثين عن عمل. ويُقال إن النمو واعد، وإن المؤشرات تتحسّن تدريجياً، وإن الأثر سيلمسُه المواطن قريباً. لكن المواطن في أوستينشيا يعيش في المستقبل الدائم؛ ينتظر الأثر كما ينتظر المطر في صيفٍ بلا غيوم. والعجيب أن المشاريع المُعلن عنها تتكاثر كالفِطر بعد مؤتمر، غير أن الأرض لا ترى أثراً لشيء.و لو جُمعت لافتات قريباً هنا لشكّلت أكبر قطاع صناعي في البلاد. ولربما أصبح تصدير التصاميم ثلاثية الأبعاد أهم من تصدير السلع. وهكذا يتحقق الاكتفاء الذاتي من الصور، بينما يظلّ الاكتفاء الغذائي بنداً مؤجلاً في خطة العام المقبل. والوظيفة في أوستينشيا هي حدثٌ إعلامي. يُحتفى بتعيين عشرات كما لو كان فتحاً اقتصادياً، فيما آلاف الطلبات تنتظر في أدراج لا تنتهي. وتُنشر قصص النجاح كما تُنشر النكات؛ سريعة، مُلهمة، ومؤقتة. أمّا قصص الانتظار فتبقى في الظل، لأن الكاميرا لا تحب الطوابير الطويلة. والمفارقة أن عدد الندوات حول تمكين الشباب يفوق عدد فرص العمل المتاحة لهم. ويتقن الشباب كتابة السيرة الذاتية أكثر مما يتقنون ممارسة المهنة؛ فقد حضروا ورشاً عن مهارات المقابلة أكثر مما حضروا مقابلات حقيقية. وهكذا تُصبح البطالة ملفاً مُداراً لا مشكلةً تُعالَج. تُعاد صياغتها، تُزيَّن بالمصطلحات، وتُدرج ضمن تحديات المرحلة. أمّا المرحلة نفسها فتمتدّ حتى إشعار آخر. يتردّد في أروقة أوستينشيا شعار الإصلاح الإداري كما يتردّد صدى الخطبة في القاعة الفارغة. يُقال إن الكفاءة معيار، وإن النزاهة أساس، وإن الحوكمة إطارٌ ناظم. إلا أن الممارسة تُظهر مساراً مغايراً، حيث يتقدّم من يتقن فنون العلاقات العامة، ويتأخر من يتقن عمله بصمت. وتُعقد الدورات حول بناء القدرات، لكن القدرة الوحيدة التي تتعاظم هي قدرة الجهاز على إنتاج الأدلة الإجرائية. ويُعاد هيكلة الإدارات، وتُغيّر المسميات، وتُستحدث وحدات جديدة، فيما يظلّ جوهر الأداء كما هو، وهو تأجيل القرار، وتوزيع المسؤولية حتى تتلاشى. وفي هذه البيئة، يصبح الجهل مهارة إذا ارتدى بدلة مناسبة، وتصبح الخبرة عبئاً إذا لم تتقن فنّ التصفيق. وهنا تبلغ النظرية ذروتها، يتلخص في حالة مفادها ما يأتي: كلما ارتفع منسوب الحديث عن الإصلاح، ازداد احتمال ترقية من لا يحتاج إلا إلى إصلاح بسيط في قاموسه. والوطنية في أوستينشيا لافتة عريضة، تُرفع في كل مناسبة. يُذكّر الخطباء بحبّ الوطن، ويُشاد بالتضحيات، وتُستعاد القصص الملهمة. غير أن الخزائن العامة تئنّ من ثقل صفقاتٍ لا تُفهم إلا همساً. ويتحدّث الجميع عن الشفافية، لكن الزجاج مُعتم. وتُنشر تقارير النزاهة، وتُعلن صفر تسامح مع الفساد، فيما ترتفع مؤشرات الشكّ في الأحاديث الخاصة. والمواطن الذي يُطلب منه شدّ الحزام يرى أحزمةً أخرى تُفكّ بلا حرج. والفساد في أوستنشيا ليس الفساد حادثة. إنه أسلوب حياة إداري متخفٍّ بربطة عنق. يُدان نظرياً، ويُستثمر عملياً. وحين يُكشف ملفّ، يُقدَّم كبش فداء، وتُستأنف الحفلة. وهكذا يبقى التوازن قائماً، وملخصه فائض في الخطاب الأخلاقي، وعجز في السلوك المؤسسي. وفي المدينة ذاتها، يسبق الإعلان التنفيذ كما يسبق التصفيق الأداء. وتُنتَج مقاطع ترويجية لمشاريع لم تُولَد بعد. وتُضاء المنصات قبل أن تُضاء المصانع. يُصاغ الشعار بعناية، بينما تُترك التفاصيل لقدرها. وهنا يصبح الاقتصاد مسرحاً، والمسرح اقتصاداً. والمهم أن تبدو الحركة دؤوبة، وأن يبدو الأمل متجدداً. أما الحسابات الدقيقة فتُؤجَّل إلى تقرير لاحق. وإذا سأل أحدهم عن الأثر الحقيقي، قيل له لا تُحبط المعنويات. لكن المعنويات، كالأرقام، لا تعيش على الهواء. فهي تحتاج إلى نتائج. وتحتاج إلى فرص عمل حقيقية، إلى عدالة في التعيين، إلى محاسبة لا تُستثنى منها الأسماء اللامعة. وتحتاج إلى اقتصاد يُنتج قبل أن يُعلن، ويُصلح قبل أن يُشيد بنفسه. ونظرية التوازن بين الجيب الفارغ والخطاب المُتخم ليست قدراً، بل توصيفاً ساخراً لخللٍ قابلٍ للعلاج. والعلاج يبدأ بقلب المعادلة. أي تقليل الكلام، وزيادة الفعل. وتحويل المؤتمرات إلى مصانع، والوعود إلى عقود عمل، والشعارات إلى سياسات قابلة للقياس. فإذا أرادت أوستينشيا النجاة من سخرية نفسها، فعليها أن تتعلم درساً بسيطاً، هو أن الاقتصاد لا يُقاس بعدد الكلمات في البيان، بل بعدد الأرغفة على المائدة. والبطالة لا تُهزم ببلاغة الخطبة، بل بكرامة الوظيفة. والإصلاح لا يتحقق بتغيير اللوحات على الأبواب، بل بتغيير المعايير خلفها. عندها فقط يختلّ التوازن القديم، ويتراجع الجيب الفارغ، ويخفّف الخطاب من تخمته. وعندها، قد تتحول «أوستينشيا» من مدينة استعراض إلى مدينة إنتاج. وحتى يحدث ذلك، ستظلّ النظرية صالحة: كلما ازداد التصفيق، فابحث عن جيبٍ يزداد خفة. .