غرباء في وطنهم: مسيحيو العراق بين مطرقة السلاح وسندان التهجير

المسيحيون في العراق ليسوا مجرد "أقلية" دينية، بل هم أحد الأعمدة الجوهرية التي قام عليها صرح حضارة بلاد ما بين النهرين منذ فجر المسيحية، وقبلها عبر جذورهم الآشورية والكلدانية والسريانية. بحسب المؤرخين فان المسيحية في العراق ليست وافدة، بل هي ابنة الأرض، بدأت بالانتشار منذ القرن الأول الميلادي على يد القديس توما وأتباعه،  حافظوا على اللغة الآرامية (السريانية)، وهي لغة السيد المسيح، التي ما تزال حية في كنائسهم وبلداتهم مثل بخديدا والقوش ، و أدوا دور "الجسر الثقافي" في العصر العباسي، اذ ترجموا العلوم اليونانية إلى العربية، ما اسهم في النهضة الإسلامية حينها. وتضافرت عدة أسباب أدت إلى انخفاض نسبة المسيحيين من نحو 1.5 مليون قبل عام 2003 إلى أقل من 250-300 ألف حاليا بحسب الارقام المتوفرة. بعد عام 2003، تعرض المسيحيون لعمليات خطف واستهداف، لعل أبرزها فاجعة "كنيسة سيدة النجاة" عام 2010 في بغداد، وان اجتياح داعش عام 2014 كان نقطة التحول الأكثر مأساوية، اذ أُجبر عشرات الآلاف في الموصل وسهل نينوى على النزوح القسري، وفقدوا ممتلكاتهم التاريخية. ان غياب الاستقرار دفع الشباب للبحث عن مستقبل أفضل في دول المهجر (أوروبا، كندا، وأستراليا)، بخاصة مع تواجد جاليات مسيحية عراقية قوية هناك تسهل استقبالهم. وبرغم تواجد نظام "الكوتا" في النظام الانتخابي العراقي، إلا أن التأثير السياسي الفعلي غالبا ما يذوب وسط الصراعات الكبرى، مما يولد شعورا بعدم الجدوى من البقاء. ان غياب المسيحيين أو تضاؤل وجودهم لا يخص الطائفة وحدها، بل هو خسارة وطنية فادحة تؤثر على التنوع الثقافي، فالعراق يشبهه البعض بـ " السجادة المزخرفة" وفقدان أي لون منها يجعلها باهتة، المسيحيون طالما مثلوا عنصر الاعتدال والانفتاح الثقافي. و عرف عن المسيحيين تميزهم في مجالات الطب، التعليم، الفنون، والتجارة، وهجرتهم تعني هجرة أدمغة يصعب تعويضها، و  تواجدهم في مناطق مختلطة تاريخيا كان يمثل منطقة عازلة وناظمة للعلاقات بين المكونات الأخرى، ورحيلهم يفكك الروابط الاجتماعية القديمة، اذ مثلت هجرتهم  نزيفا صامتا في جسد الهوية العراقية. العبرة ليست في بقاء المباني والكنائس كآثار، بل في بقاء الإنسان الذي يمنح هذه الأرض روحها وتعددها. تميز المسيحيون في العراق، تاريخيا، بكونهم الطبقة الوسطى المنتجة، والعمود الفقري لعديد الحرف النوعية والمهن التخصصية، لم يكن عملهم مجرد كسبا للعيش، بل كان جزءا من الهوية المهنية للمدن العراقية، لاسيما في بغداد، الموصل، والبصرة. كان للمسيحيين بصمة واضحة في مهن تطلبت دقة عالية أو انفتاحا تجاريا، ومن أبرزها، ان المسيحيين في بغداد والموصل (بخاصة السريان والكلدان) تميزوا بصياغة الذهب والفضة، و كانت "سوق الصاغة" تعتمد بشكل كبير على مهارتهم المتوارثة؛ والمسيحيون هم رواد المطابع في العراق؛ فمنذ القرن التاسع عشر، أسسوا أولى المطابع (مثل مطبعة الآباء الدومنيكان في الموصل)، مما جعلهم يسيطرون على قطاع النشر والوراقة. و نتيجة لاهتمامهم المبكر بالتعليم اللغوي والارساليات، شكلوا نسبة كبيرة من الأطباء، الصيادلة، والمهندسين الذين بنوا الدولة العراقية الحديثة في العشرينات والثلاثينات، و بفضل صلاتهم مع الجاليات في الخارج، برعوا في استيراد السلع النوعية والمعدات التقنية. و أداروا أفضل الفنادق والمطاعم والمرافق الترفيهية التي كانت واجهة العراق الحضارية أمام السياح والأجانب. ولم يكن التضييق دائما بقرار  ديني  مباشر، بل غالبا ما جاء تحت غطاء سياسي أو اقتصادي أدى لنتائج كارثية على تواجدهم؛ وعندما اتجهت الدولة نحو "التأميم" ومصادرة المشاريع الكبرى، تضرر التجار والمسيحيون بشكل مباشر، فقدت العائلات المسيحية العريقة مصانعها وشركاتها التجارية الكبرى، مما حولهم من  أرباب عمل إلى  موظفين لدى الدولة ، وهو ما قلل من مرونتهم الاقتصادية. في مراحل لاحقة، وتحديدا مع "الحملة الايمانية" في التسعينات، جرى تضييق الخناق على المهن التي يرتبط بها المسيحيون تاريخيا (مثل تجارة المشروبات، إدارة النوادي الاجتماعية، والمرافق الترفيهية)؛ هذه القوانين لم تكن اقتصادية بحتة، بل كانت تهدف لفرض طابع اجتماعي معين، مما أدى لإغلاق آلاف المصالح التجارية المسيحية فجأة. وبعد عام 2003 تحول التضييق إلى اجتثاث في بعض المناطق، فلقد  فرضت جماعات مسلحة مبالغ مالية على أصحاب المحال والمختبرات الطبية المسيحية. و جرت عمليات تزوير واسعة للاستيلاء على بيوتهم ومحالهم التجارية في مناطق مثل (الكرادة والدورة) وغيرها في بغداد، مما أفقد الكثيرين أصولهم المالية التي تربطهم بالبلد. ان سد أبواب الرزق لم يؤدِ فقط لفقر العائلات، بل أنتج تداعيات أخطر، فعندما حورب الطبيب في عيادته والصائغ في متجره ومديرو النوادي الاجتماعية والمحال، لم يجدوا خيارا سوى الهجرة، مما أفقد العراق خبرات تراكمت لمئات السنين. و تحولت أسواق عريقة كانت تعج بالحياة والتنوع إلى أسواق ذات طابع واحد، وفقدت تلك اللمسة الجمالية والمهنية التي كان يضفيها التواجد المسيحي.  إن تدمير القاعدة الاقتصادية لأي مكون هو أقصر طريق لإجباره على الرحيل من دون الحاجة لاستعمال السلاح بشكل مباشر. وكانت الموصل  (نينوى) الانموذج الأكثر تجسيدا لهذا التحول الدراماتيكي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة يسكنها المسيحيون، بل كانت مختبر التعايش الاقتصادي في الشرق الأوسط،  رحيلهم لم يغير الخريطة الدينية فحسب، بل ضرب  الهوية المهنية  للمدينة. اندثرت "حارات الحرفيين" المتخصصة في قلب الموصل القديمة، كانت هناك أحياء كاملة تعرف بمهن سكانها المسيحيين، وفقدت الموصل بريق "النقش الموصلي" الفريد على الذهب والفضة، وهو فن توارثته العائلات المسيحية لأجيال، وشلت   "الطباعة والوراقة"، اذ كانت الموصل تسمى "مدينة المطابع" بفضل المسيحيين. وكانت العيادات والمذاخر الطبية في منطقة "الدواسة" و "المجموعة الثقافية" تدار من قبل نخبة من الأطباء والصيادلة المسيحيين، و بسبب الاستهداف المباشر (الخطف والقتل والتهديد)، أُغلقت مئات العيادات والصيدليات والمختبرات؛ هذا الفراغ لم يسد بسهولة، مما أدى إلى تراجع جودة الخدمة الطبية في المدينة وهجرة المرضى إلى مدن أخرى أو خارج البلاد طلبا للعلاج. كما تأثرت الزراعة ومنتجاتها بذلك، اذ كان المسيحيون هناك يشتهرون بزراعة الزيتون، وصناعة الراشي (الطحينة)، والنبيذ وغيره من المشروبات الروحية، وتربية المواشي بطرق تقليدية متطورة. بعد عام 2014 (دخول داعش) وما تبعه من تجريف للأراضي والاستيلاء على المزارع، توقفت هذه المصانع الصغيرة والمعاصر؛ و حتى بعد العودة، وجد كثيرون أن الأرض لم تعد لهم اقتصاديا بسبب المنافسة غير العادلة أو التضييق على تسويق منتجاتهم في مراكز المدن. عندما اغلقت أبواب الرزق بوجه المسيحيين في الموصل، حدث ان المدينة التي كانت تعرف بتعدد مهاراتها، أصبحت اليوم تعاني من رتابة اقتصادية، كما أن غياب التاجر والمصنع المسيحي كسر حلقة الوصل التجارية التي كانت تربط الموصل بالعالم الخارجي وبالقرى المحيطة بها، مما جعل المدينة تنكفئ على نفسها اقتصاديا، وكذلك حدث في مناطق انتشار المسيحيين في بغداد والبصرة وغيرها.