في حادثة غريبة ومروعة، هزّ خبرها العالم، سرقت جثة الممثل الأسطوري تشارلي شابلن من مثواه الأخير في مقبرة، وبقي قبره خاويا لمدة أسبوع كامل. في صبيحة يوم الثاني من مارس عام 1978، اكتشف حارس المقبرة أن قبر الفنان الكوميدي الشهير قد نُبش، وأن النعش الذي يضم رفاته قد اختفى دون أثر. لم يتردد الحارس في إبلاغ الشرطة وعائلة الفقيد على الفور، لتبدأ بذلك واحدة من أغرب وأشهر قضايا سرقة الجثث في التاريخ الحديث. يصعب تخيل ما كان يمكن أن يقوله هذا الممثل العبقري لو قدر له أن يعلم بما سيجري لجثمانه بعد رحيله. ربما، كما افترض أحد الكتاب، كان سيعلق بسخريته المعهودة قائلا إنه عاش حياة ناجحة إلى درجة دفعت بعض الأحياء إلى الطمع في جني المال من خلال سرقة رفاته. إنه تشارلز سبنسر شابلن، ذلك "المتشرد الصغير" الذي استطاع بأعماله الخالدة أن يدخل قلوب الملايين في مختلف أنحاء العالم. وفي شابلن عن عمر ناهز 88 عاما في يوم عيد الميلاد، الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1977، في منزله بمدينة فيفي الواقعة غرب سويسرا. دُفن الفنان الراحل في المقبرة المحلية التابعة لكنيسة صغيرة، وظل قبره مغطى بالزهور. لم تمضِ على وفاته سوى شهرين فقط حتى وقعت الجريمة. في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، تسلل لصان هما رومان فارداس وجانشو غانيف إلى المقبرة، وبدأا في نبش قبر الممثل العالمي. كانت خطتهما تبدو لهما بسيطة ولا تشوبها شائبة. كان ينويان حفر القبر، وسحب التابوت، ثم تعميق الحفرة وإعادة دفن التابوت مرة أخرى في القاع الجديد، تاركين المقبرة في حالة من الفوضى على مرأى من الجميع. اعتقد اللصان أنه بهذه الطريقة، سيكون من المستحيل تقريبا العثور على الجثة، إذ لن يفكر أحد في البحث عنها في نفس المكان الذي دفنت فيه أصلا. بعد ذلك، كانا يخططان للتواصل بطريقة ما مع أرملة شابلن، أونا، التي ورثت ثروة طائلة حسبما تناقلته الصحف، ومطالبتها بفدية متواضعة نسبيا قدرها ستمائة ألف دولار مقابل الكشف عن مكان الجثة والتابوت. لكن الأمور لم تجرِ منذ البداية كما خطط لها الخاطفان. منذ منتصف الليل، بدأت السماء تمطر بغزارة، ما جعل الأرض رطبة وثقيلة. بعد جهد جهيد تمكنّا من الحفر لعمق متر ونصف وسحب النعش الضخم، لكنهما كانا قد استنفدا قواهما، ولم يتبق لديهما لا الوقت ولا الجهد لتعميق القبر مترا إضافيا كما خططا. عندها اضطرا إلى تغيير خطتهما، فسرقا شاحنة صغيرة كانت متوقفة في شارع قريب من المقبرة، وبصعوبة بالغة جرّا التابوت عبر العشب الرطب وتمكنا من تحميله في صندوق الشاحنة قبل أن يلوذا بالفرار. في نفس اليوم، اكتشف حارس المقبرة القبر المنبوش وأبلغ الشرطة التي اتصلت على الفور بالأرملة أونا. عندما وصلت المرأة إلى المكان، كادت تفقد وعيها. لم يسرق المجرمان التابوت فحسب، بل أزالا أيضا شاهد القبر الضخم. أمام أعين الأرملة، لم تبق سوى حفرة سوداء عميقة تذكرها بفقدان جديد أكثر قسوة. شرعت الشرطة في تحقيقاتها، لكنها لم تعثر على أي دليل سوى آثار أقدام على العشب، وكان واضحا أن التابوت قد نُقل إلى جهة مجهولة. في اليوم التالي، تلقت أونا اتصالا من شخص عرّف عن نفسه باسم "السيد روش"، كان المتصل يحاول يائسا تغيير نبرة صوته. طالب "السيد روش" بمبلغ ستمائة ألف دولار مقابل الإفصاح عن مكان رفات تشارلي شابلن. كانت أونا شابلن، وهي ابنة الكاتب المسرحي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل يوجين أونيل، امرأة شجاعة وقوية الإرادة. كانت قطعت علاقتها بوالدها عندما تزوجت من شابلن وهي في الثامنة عشرة من عمرها، لأنه رفضه بشكل قاطع. بعد أن التقطت أنفاسها من صدمة المكالمة، ردت على الخاطف ببرودة أعصاب: "سيجد تشارلز أن دفع المال لاستعادة جثته، فكرة سخيفة". لم يتوقع رومان فارداس، الذي تظاهر باسم "السيد روش"، هذا الرفض القاطع. لكنه لم يتردد في تصعيد الضغط على الأرملة في الأيام التالية، حيث أرسل لها عدة صور فوتوغرافية للتابوت المسروق وشاهدة القبر كدليل على أنه جاد في مطالبه. ولكن دون جدوى، ظلت الأرملة مصرة على موقفها الرافض لأي مساومة على جثة زوجها. في تلك الأثناء، كانت الشرطة المحلية تبذل قصارى جهدها لتعقب مصدر المكالمات، والتي كان الخاطف يجريها من هواتف عمومية في الشوارع. اتخذت الشرطة إجراءات غير مسبوقة بمراقبة حوالي مائتي كشك هاتف ليس فقط في مدينة فيفي، بل وفي مدينة لوزان المجاورة أيضا. طلبت الشرطة من الأرملة إطالة مدة المحادثات الهاتفية قدر الإمكان، والمماطلة في التفاوض، والتظاهر بالاستعداد لتلبية مطالبهم، لإتاحة الوقت الكافي لتحديد موقع المتصل. أخيرا، وفي الرابع عشر من مايو عام 1978، تمكنت الشرطة من اعتقال رومان فارداس على بعد 24 كيلو مترا من فيلا عائلة شابلن. بعد ساعات قليلة من الاستجواب، انهار الرجل واعترف بجريمته وكشف عن هوية شريكه البلغاري جانشو غانيف. أبدى اللصان استعدادهما للكشف عن المكان الجديد الذي دفنا فيه الممثل الشهير، والذي تبين أنه حقل قمح في إحدى ضواحي فيفي. من سوء حظ الجميع، أن المجرمين نسيا تماما الموقع الدقيق الذي دفنا فيه التابوت. لم تجد الشرطة بدا من استخدام وسائل تقنية في البحث والتنقيب. بعد يومين من البحث الدقيق والمضني، تم العثور على التابوت وأعيد رفات شابلن إلى مثواه الأصلي في سرية تامة ودون إثارة أي ضجة إعلامية. لمنع تكرار مثل هذه الحادثة مرة أخرى، تم تغطية القبر بالكامل بطبقة سميكة من الخرسانة المسلحة. أما سارقا الرفات، فقد صدر الحكم على رومان فارداس بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف، بينما حصل شريكه غانيف على حكم مع وقف التنفيذ. المثير للسخرية في هذه القصة برمتها، أن الشخص الوحيد الذي خرج رابحا من هذه الحادثة كان صاحب حقل القمح الذي دُفن فيه التابوت مؤقتا. أقام الرجل صليبا خشبيا كبيرا في الموقع الذي استقر فيه نعش شابلن لفترة وجيزة، وبدأ بالسماح للسياح بدخول الحقل مقابل رسم بسيط. بمرور الوقت، أصبح هذا المكان أكثر شهرة وجذبا للزوار من قبر "المتشرد الصغير" الحقيقي نفسه. حقا، إنها واحدة من سخريات الأقدار. المصدر: RT .