كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - لم تكن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى دولة الكيان مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل مثّلت تتويجًا لمسار تحوّل استراتيجي عميق. حفاوة الاستقبال، واللغة الشخصية الدافئة، والانسجام الواضح بينه وبين بنيامين نتنياهو عكست انتقال العلاقة من نطاق التعاون الإقتصادي إلى شراكة سياسية وأمنية وثيقة ذات بعد أيديولوجي واضح. المفارقة الرمزية لافتة: الهند، أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، تتقارب بهذا الزخم مع دولة صغيرة نسبيًا من حيث المساحة والديموغرافيا. هذا التباين العددي لا يفسر وحده حرارة العلاقة. التفسير الأعمق يكمن في تقاطع رؤيتين ايدولوجيتين؛ الأولى تقودها القومية الهندوسية في نيودلهي، والثانية يمثلها اليمين القومي المتطرف في تل أبيب، كل منهما يعتبر الإسلام مصدر خطر لوجوده. هنا لم يعد الأمر مجرد صفقات سلاح أو تبادل تكنولوجي، بل التقاء في تصور الدولة والهوية والأمن. هذا المشهد يختصر مسارًا بدأ قبل ثلاثة عقود، حين انتقلت الهند تدريجيًا من دولة داعمة تقليديًا لفلسطين إلى شريك استراتيجي مركزي لتل أبيب، وبلغ ذروته خلال الحرب المدمّرة التي شنتها الدولة الصهيونية على قطاع غزة. الإرث التاريخي: موقف أقرب للعرب في العقود الأولى بعد الاستقلال، تبنت نيودلهي مواقف منسجمة مع إرث حركة عدم الانحياز التي أسسها جواهر لال نهرو. صوّتت ضد تقسيم فلسطين عام 1947، وضد قبول الدولة الصهيونية عضوًا في الأمم المتحدة عام 1949. وفي عهد إنديرا غاندي، منحت منظمة التحرير الفلسطينية اعترافًا دبلوماسيًا كاملًا، واعترفت بدولة فلسطين عام 1988. ورغم اعترافها بالدولة العبرية عام 1950، حافظت الهند لعقود على خطاب سياسي داعم للحقوق الفلسطينية، مع إبقاء قنوات الاتصال محدودة. 1992: نقطة الانعطاف شكّل عام 1992 محطة مفصلية، حين أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع دولة الكيان. تزامن ذلك مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وانفتاح الاقتصاد الهندي، وسعي نيودلهي إلى إعادة تموضعها دوليًا. بدأ التعاون العسكري يتوسع بوتيرة متسارعة، خاصة في مجالات الطيران، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والتكنولوجيا الأمنية. وامتد هذا التعاون ليشمل الذكاء الإصطناعي والأمن السيبراني والزراعة المتقدمة والمياه. ومع ذلك، احتفظت الهند آنذاك بخطاب رسمي يؤكد دعم حل الدولتين، محاولةً الحفاظ على توازن بين علاقاتها الجديدة مع تل أبيب وعمقها التاريخي في العالم العربي. صعود القومية الهندوسية: من تعاون إلى تقاطع أيديولوجي التحول البنيوي جاء مع صعود حزب بهاراتيا جاناتا ووصول مودي إلى الحكم عام 2014. هنا لم يعد التقارب مقتصرًا على المصالح الإقتصادية والدفاعية، بل اكتسب بعدًا فكريًا وسياسيًا. يتقاطع الخطاب القومي الهندوسي مع خطاب اليمين الإسرائيلي في التركيز على الهوية الدينية-القومية، وأولوية الأمن، والتشدد في مواجهة ما يُعرّف بأنه تهديد إرهابي أو ديموغرافي. يمثل هذا التقاطع اصطفافًا أوسع بين حركات قومية محافظة تعتبر الإسلام السياسي تحديًا مركزيًا لمشروعها. ورغم أن توصيف العلاقة باعتبارها موجهة ضد الإسلام لا تعلنه الدولتان رسميًا – خصوصًا وأن الهند تضم مئات الملايين من المسلمين – فإن تصاعد الخطاب الهوياتي والإقصائي في البلدين يمنح هذا التحالف بعدًا أيديولوجيًا يتجاوز المصالح التقليدية. التقاطع بين القومية الهندوسية واليمين الإسرائيلي المحافظ عزز الانسجام بين القيادتين. أصبحت الهند في بعض السنوات أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية، وارتفع حجم التبادل التجاري المدني إلى أكثر من عشرة مليارات دولار سنويًا. كما توسع التعاون في الأمن الداخلي، والاستخبارات، ومكافحة ما يُعرَّف بالإرهاب. حرب غزة: لحظة الانكشاف الكامل خلال حرب دولة الكيان المدمرة والدموية على قطاع غزة (2023-2025)، ظهر الإنحياز الهندي بشكل سافر. منذ الساعات الأولى، أعلنت نيودلهي دعمها الكامل للدولة الصهيونية، ووصفت عملياتها بأنها دفاع مشروع عن النفس. امتنعت عن التصويت لصالح قرارات أممية تدعو إلى وقف إطلاق النار، وامتنعت عن دعم خطوات للتحقيق في الانتهاكات. وتحدثت تقارير عن استمرار تدفق مكونات عسكرية هندية إلى تل أبيب خلال الحرب. في المقابل، بقي الخطاب الرسمي الهندي يتمسك نظريًا بحل الدولتين، لكنه بدا أقرب إلى صيغة دبلوماسية لامتصاص الانتقادات وكسب ود الدول العربية لتحقيق أهداف نيودلهي الإقتصادية، لا تعبيرًا عن توازن فعلي في السياسة. الهجوم على إيران: اختبار إقليمي جديد جاء الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على إيران يوم السبت بعد أيام قليلة من زيارة مودي إلى تل أبيب، وفي سياق إقليمي شديد التعقيد: ضعف داخلي غير مسبوق في طهران، تفاهمات جديدة بين قوى إقليمية، وتوترات على حدود جنوب آسيا مع دخول باكستان في مواجهة مع طالبان في أفغانستان ذات العلاقة الجيدة بإيران. في هذا المشهد المتداخل، برز الموقف الهندي أقرب إلى تفهم الرواية الإسرائيلية–الأمريكية منه إلى إدانتها. لم يصدر عن نيودلهي اعتراض حاد، بل اتسم خطابها بالحذر الذي لا يخلّ بجوهر تحالفها مع تل أبيب. هذا الصمت النسبي يعكس حقيقة أن الدولة العبرية "ضمنت" دعمًا هنديًا استراتيجيًا، في وقت تم فيه تحييد باكستان عبر شبكة علاقاتها المعقدة مع واشنطن. تحالف يتجاوز الظرفية العلاقة بين الطرفين اليوم لم تعد مجرد صفقات سلاح أو تعاون اقتصادي، بل جزء من تموضع جيوسياسي أوسع ترى فيه الهند أن دولة الكيان شريك في تعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وترسيخ موقعها كقوة صاعدة في النظام الدولي وتمنح تل ابيب عمقا في آسيا. لكن في المقابل، تمتلك الدول العربية أوراقًا مهمة، إذا احسنت إستخدامها. فالهند تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة العربية، وعلى أسواق المنطقة، وعلى تحويلات ملايين العمال الهنود في الخليج. كما أن العالم العربي يشكل فضاءً اقتصاديًا واستثماريًا حيويًا لنيودلهي. كما ينبغي تنويع الشراكات الآسيوية، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية داخل الهند، ومخاطبة نخبها ومجتمعها المدني بلغة القانون الدولي والمصالح المشتركة. الخلاصة انتقلت الهند من إرث عدم الانحياز والدعم التاريخي لفلسطين إلى تحالف استراتيجي وثيق مع الدولة الصهيونية، تحالف تغذيه المصالح الأمنية والإقتصادية والتكنولوجية، لكنه يتكىء على تقاطع ايدولوجيي وعداء مشترك للإسلام كدين ودولة. وبلغ هذا التحول ذروته خلال الحرب المدمرة على غزة والهجوم الصهيو امريكي الأخير على إيران،إنها إعادة تعريف صريحة لأولويات نيودلهي في ضوء صعودها كقوة إقليمية ودولية. وإذا كانت الهند قد أعادت حساباتها وفق منطق القوة والمصلحة والأيدولوجيا، فإن على الدول العربية أن تفعل الشيء ذاته، بأدوات تأثير مدروسة قادرة على إعادة التوازن إلى علاقة اختل ميزانها بوضوح. .