عائلة داخل دولة.. شبكة "لاريجانيون" تمسك الخيوط في إيران

شفق نيوز- تقرير خاص في الساعات التي تلت تأكيد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بضربات أميركية إسرائيلية يوم 28 شباط 2026، لم تعد صور الدخان فوق طهران هي الخبر الوحيد، بل الفراغ الذي يتركه منصب صُمّم ليكون صمام أمان للنظام وأداة ضبط لبقية المؤسسات، لكن في الكواليس بدأت مراسم أخرى أكثر قسوة، ترتيب البيت وهو يتلقى الضربات. داخل هذا الفراغ، برزت صيغة "مجلس قيادة مؤقت" لإدارة المرحلة الانتقالية يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي، بينما قالت تسريبات من طهران إن المجلس المؤقت يُدار تحت إشراف علي لاريجاني، الذي عاد ليظهر كـ"منسق أزمة" أكثر منه مرشحاً للعرش الديني. الضربة، الأميركية الاسرائيلية لم تقف عند رأس الهرم. بل أتت على عدد من كبار قادة المؤسسة العسكرية، في ما بدا كاستهدافٍ لعمود القيادة لا لرمزها فقط، في تلك اللحظة، لم يعد السؤال من يحكم إيران فحسب، بل أي شبكة تستطيع منع اهتزاز الدولة، ومن يملك مفاتيح الربط بين المؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، وبيروقراطية تُدير دولة مثقلة بالعقوبات والحرب والاحتقان. في قلب هذا السؤال تقف عائلة لاريجاني. وبينما تلقّى "بيت المرشد" ضربةً مباشرة أفقدته عدداً من أفراد الأسرة المقربين، بدا المشهد وكأن إيران تخسر في ليلة واحدة مركز الثقل الرمزي ومحيطه الحامي. وفي فراغ ما بعد الضربة، بقي مصير مجتبى خامنئي غير محسوم في التقارير المتداولة، رغم أنه كان يُنظر إليه في سنوات سابقة بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة والده، ما جعل بيت المرشد يتراجع من موقع "العائلة الحاكمة" إلى لغزٍ مفتوح على الاحتمالات. عند هذه النقطة تحديداً، تظهر عائلة لاريجاني بمحصلة مختلفة، لا كواجهة واحدة بل كشبكة من خمسة إخوة موزعين على مفاصل الدولة، لتصبح عملياً أبرز "بيت نفوذ" داخل النظام بعد بيت المرشد، والأكثر قدرة على سدّ الفجوات بين العمامة والأمن والبيروقراطية في لحظة اضطراب غير مسبوقة. عائلة داخل دولة عائلة لاريجاني ليست حزباً، وليست قبيلة بالمعنى التقليدي، لكنها مثال إيراني صريح لما يصفه الإيرانيون بـ"آقازاده" عندما تتحول الروابط العائلية إلى شبكة نفوذ ممتدة داخل مؤسسات الدولة. دراسة لمعهد كلينغنديل مثلاً أظهرت كيف تعمل المصاهرة والتحالفات بالنسب داخل النخبة الدينية والسياسية كرافعة للنفوذ، لا كملحق اجتماعي، بحيث تُنتج "سياسة ثقة" تفضّل القرب المضمون على الكفاءة وحدها في المواقع الحساسة. قوة هذه العائلة لا تأتي من منصب واحد، بل من تعدد نقاط الارتكاز. خمسة إخوة توزعوا، عبر عقود، على مفاصل أمنية ودينية وقضائية وإعلامية وبيروقراطية، فبدت العائلة أقرب إلى "شبكة دولة" قادرة على المناورة حين تتغير الوجوه وتتصادم الأجنحة. علي لاريجانيالأكثر حضوراً في اللحظة الراهنة. أعيد إلى موقع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في آب 2025، وفي سياق إعادة ترتيب مؤسسات الأمن بعد حرب قصيرة مع إسرائيل، وهو موقع يمنح صاحبه عملياً مفاتيح ملفات النووي، والتنسيق الإقليمي، وإدارة الأزمات الداخلية. ومع مقتل خامنئي، تحوّل إلى "وسيط قوي" يدير صيغة مجلس مؤقت، مستفيداً من علاقاته المزدوجة مع المؤسسة الدينية ومراكز القوة الصلبة. علي لاريجاني يظهر في لحظات الانهيار كمدير انتقال أكثر منه زعيماً ملهمًا. حيث أعلن خطة لمجلس قيادة مؤقت، وإنه بات بعد مقتل خامنئي محوراً لتنسيق الاستجابة السياسية والأمنية. هذا الموقع لا يأتي من كاريزما شعبية بقدر ما يأتي من خبرة طويلة في دهاليز الدولة، ومن حقيقة أن النظام الإيراني صُمم على توزيع السلطة بين مؤسسات، بحيث لا تنهار الدولة نظرياً إذا سقط رأسها، وإن كانت تهتز بعنف. لكن سقف علي لاريجاني واضح. اختيار المرشد الجديد، وفق الدستور، يعود إلى مجلس خبراء القيادة، وهو مجلس من رجال الدين، ويضم 88 عضواً وتتم تصفية مرشحيه عبر أجهزة رقابية متشددة. لهذا تبدو وظيفة لاريجاني الآن أقرب إلى "ضبط الإيقاع" بين المراكز المتنافسة، لا القفز إلى مقام المرشد. صادق آملي لاريجانيالثقل الديني والمؤسسي. عُيّن رئيساً للسلطة القضائية عام 2009 بقرار من خامنئي، ثم رُفع لاحقاً إلى رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام في نهاية 2018، وهو المجلس الذي يتدخل عادة لحسم النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور ولتأمين "حلول وسط" حين تتعطل السياسة. وفي لحظات الانتقال، تصبح هذه المؤسسات "الهادئة" أشبه بصمامات ضغط، تمنح غطاءً للإجماع أو تُؤخر الانفجار إلى حين ترتيب التوازنات. محمد جواد لاريجانيوجه "الدفاع البيروقراطي" عن النظام في ملف الحقوق والانتقادات الدولية بصفته أميناً أو مسؤولاً في مجلس حقوق الإنسان التابع للسلطة القضائية، وكونه من الأصوات التي تتصدى للانتقادات الغربية في المحافل الدولية. فاضل لاريجانيالأقل ظهوراً في الواجهة السياسية المباشرة، لكنه دخل العناوين بقوة في ذروة الصدام بين محمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني عام 2013، حين جرى تداول تسجيلات واتهامات مرتبطة بتسهيلات وامتيازات، في واحدة من أكثر لحظات "غسيل الصراع داخل النظام" على الملأ. باقر لاريجانينفوذ عبر بوابة الطب والمؤسسات الأكاديمية والصحية. كلينغنديل يذكره بوصفه من شغل مواقع رفيعة في المجال الطبي، مع صلات مصاهرة داخل المؤسسة الدينية، وهو نمط يعكس استراتيجية العائلة في توزيع النفوذ على قطاعات غير سياسية ظاهرياً لكنها شديدة الأهمية في الدولة. صعود وتعثر ونقطة الضعف مفارقة لاريجانيين أن نفوذهم مؤسسي، بينما بوابتهم الانتخابية مضطربة. مثلاً علي لاريجاني استُبعد من انتخابات الرئاسة عام 2021، وأنه طالب مجلس صيانة الدستور بتفسير قرار منعه. هذه الواقعة تُقرأ بطريقتين في طهرانالأولى أنها دليل على أن النظام لا يسمح لعائلة، مهما كانت قوية، أن تتحول إلى سلالة لا تُردوالثانية أنها تعكس صراعاً بين منطق "إدارة الدولة" ومنطق "حراسة العقيدة"، حيث قد يُستبعد البراغماتي في صناديق الاقتراع ثم يُستدعى في غرف الأزمات نقطة قوة العائلة كانت دائماً قدرتها على الجمع بين الشرعية الدينية والمهارة البيروقراطية، وبين المصاهرة داخل بيوتات مؤثرة وبين إدارة الملفات الثقيلة. لكن ما يمنحها قوة داخل النظام يمكن أن يتحول إلى عبء أمام الرأي العام، حيث تُقرأ هذه الشبكات بوصفها عنواناً للمحسوبية واحتكار الفرص. عام 2013 مثّل لحظة كاشفة، حيث اتهامات أحمدي نجاد لعائلة رئيس البرلمان حينها بالفساد، في مواجهة علنية كشفت أن الصراع لم يكن ملفاً قضائياً واحداً بقدر ما هو حرب مواقع بين أجنحة. منذ ذلك الحين، بقيت العائلة قوية، لكنها محكومة بسقف حساس، كل خطوة إضافية قد تستدعي تسريباً جديداً أو حملة تشهير جديدة. بعد مقتل خامنئي، عادت إيران إلى سؤال قديم بصيغة جديدة، من الذي يضمن تماسك الدولة حين يُقطع رأسها، فالنظام الإيراني يوزع السلطة عبر شبكات ومؤسسات، وأن الحرس الثوري يبقى مركز ثقل في تثبيت النظام أو إعادة تشكيله. في هذا المشهد، تبدو عائلة لاريجاني مفيدة لسببين متناقضين لكنهما متلازمان الأول أنها عائلة "مقبولة داخل البيت" وليست هامشية كي تُستبعد بسهولة، وليست فصيلاً عسكرياً خالصاً كي تُخيف رجال الدين، وليست إصلاحية كي تُستهدف فوراً. وجود علي في الأمن القومي، وصادق في مجلس تشخيص مصلحة النظام، يمنحها قدرة على تمرير الرسائل وتنسيق التفاهمات في زمن الرعب المؤسسي. الثاني أنها عائلة "غير مريحة شعبياً" في لحظة توتر داخلي واحتقان اقتصادي، قد تتحول رمزية الامتيازات المغلقة إلى وقود غضب. وهنا تصبح شبكة العائلة، التي تُسهّل ترتيب النخبة، أقل فاعلية في تهدئة الشارع أو كسب شرعية جديدة. السيناريو الأقرب السيناريو الأكثر تداولاً في قراءة طريقة عمل الدولة الإيرانية هو أن لاريجانيين سيؤدون دور "الوسيط الثقيل" لا "الوريث"، حيث إدارة الانتقال، تأمين الغطاء المؤسسي، وربما تسهيل توافق بين مجلس الخبراء ومراكز القوة الأمنية على صيغة قيادة جديدة، في وقت تعيش إيران وضعاً هو الأخطر منذ الثورة. لكن بالمقابل، تصطدم العائلة الأكثر تأثيراً في إيران بالوقت الحالي بالحرس الثوري، وهو جهاز لا يُدار بقرار عائلي، بالإضافة إلى مجلس الخبراء وهو ليس مجلس تعيينات عادي، والبيئة الإقليمية الملتهبة تجعل كل خطوة داخلية مرتبطة بحسابات الحرب والردع.لذلك قد يكون نفوذ العائلة الآن أكبر مما كان في الأوقات العادية، لكنه أيضاً أكثر هشاشة، لأن أي خطأ سيُقرأ على أنه محاولة "عائلة" لاحتكار لحظة "دولة". في المحصلة، لاريجانيون يبدون كمن يملكون مفاتيح احتياطية لخزانة النظام، لكنهم لا يملكون الخزانة وحدهم.