تصفية الوجود الاميركي في غرب آسيا أم إسرائيل الكبرى.. ما المشروع الذي يتقدم؟ #عاجل

كتب أ. د عبدالحكيم الحسبان - نعيش منذ ايام طوفانا من الصور ومقاطع الفيديو التي توثق بعضا مما يمكن لكاميرات الناس في الشوارع أو شرفات المنازل من التقاطه بعد أن غابت وغيبت قنوات التلفزة التي اعتدنا أن نرى العالم من خلال عدساتها. في طوفان الصور هجمات متواصلة على مصالح الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة؛ سفارات واشنطن في بغداد والرياض وصولا لقبرص تضرب، أعتى القواعد الاميركية وحصونها التي بنيت في المنطقة مثل المناامة والدوحة والامارات والكيان تتعرض لهجمات متواصلة وبغاية الشراسة، واما القواعد البحرية الاميركية في الكويت التي استثمر فيها مال عربي كثير وخبرة تقنية اميركية هائلة على مدى عقود فقد تم اخراجها من الخدمة. وفي البحرين التي كانت ولعقود مركزا لقيادة الاسطول الخامس الاميركي فقد تعرضت لوابل من الهجمات يقال أنها اخرجتها من الخدمة، وبالتوازي كانت قاعدة العديد الاميركية في قطر التي يتمركز فيها مركز قيادة السنتكوم الذي تقوده واشنطن وينضوي فيه حشد من الدول العربية وتم نقل الكيان الصهيوني اليه بعد ان ظل لعقود طويل ضمن قيادة الاميركية للقوات الاوربية. وأما مضيق هرمز الذي يؤمن واحدا من اكثر موارد الطاقة العالمية اهمية فهو يغلق وبقرار إيراني. ما كان على مدى عقود مجرد شعار يطلقه كبار المسؤولين الايرانيين وخصوصا في الحرس الثوري وعلى لسان المرشد وقائد الثورة الراحل من أن على الاميركيين أن ينهوا احتلالهم العسكري للمنطقة، انتقل وبعد ان ظل لاكثر من اربعين سنة لازمة لغوية لسانية متكررة تتردد على لسان القيادات الايرانية استحال الى وقائع معاشة على الارض ترصده الكاميرات وتكتب عنه الاقلام. شعار الاربعين عاما استحال الى وقائع على الارض بين عشية وضحاها. من يقرأ جيدا الوقائع على الارض في سياقها الجغرافي والسياسي والتاريخي الواسع لا يمكنه أن يرى في ما يجري مجرد تفاصيل عادية اعتادت هذه المنطقة المبتلية والمكلومة أن تعيشه منذ قرون بل إن مشاهد ضرب اعتى مظاهر العظمة الاميركية والوجود الاميركي في المنطقة التي هي مركز العالم في الجغرافيا والطاقة هي لحظات تشي بانقلاب صفحة من تاريخ المنطقة وبدء صفحة جديدة وهي الدليل الاضافي على حجم التحولات في النظام العالمي الذي بقي لخمسة قرون يخضع لهيمنة الغرب الاحادية. مشاهد ضرب السفارات والقواعد الاميركية والحصون العسكرية للغرب في المنطقة كانت صاعقة على تلك الزمرة القليلة التي احالت الولايات المتحدة في سنوات قليلة من دولة مؤسسات تسمع فيها عن البنتاغون والخارجية ومراكز الدراسات والسي اي ايه، الى دولة تقودها مافيا وحيث النسيب والصهر جاريد كوشنر وستيف ويتكوف الشريك في البيزنس الاسود هم من يمسكون في الملفات بدءا من اوكرانيا الى غزة والشرق الاوسط وصولا لايران وسوريا ولبنان. فبعد ان تم تجريب العقوبات والحصار الاقتصادي الغربي لايران منذ نصف قرن الذي هو الاقسى في التاريخ، والحروب الامنية المتواصلة على الدولة الايرانية، والحرب المتواصلة على علماء الامة الايرانية واغتيال الكبار منهم، ومحاولة تطويق ايران من خلال احتلال افغانستان في العام 2001 ثم العراق في العام 2003 لم تحقق هدفها في احتواء الصعود الايراني العلمي والتقني والاقتصادي. ليضطر الكيان الصهيوني ومن تحالف معه من اليمين الاميركي أن يلجأوا الى السيناريو المباشر البديل وتلك الوصفة التي جربت في بلاد العرب؛ والتي تقضي بخلق دينامية داخلية لحرب اهلية او انشقاق داخل النظام، او تأليب بعض المكونات الاثنية او الدينية ضد النظام. وأما مكمن الشعور بالصدمة فهو أن كل المشاريع الاميركية الصهيونية المتعلقة بالاطاحة بالدولة الايرانية التي تركزت كلها في السنوات الاخيرة على الاطاحة بالدولة الايرانية من خلق خلق ديناميكية تؤدي إما الى خروج ثلث او نصف الشعب الايراني ضد دولته، كما حدث في كثير من بلاد العرب، أو خلق ديناميكية تؤدي الى تظهير الانقسامات بين المحافظين والليبراليين داخل السلطة نفسها، وهو ما تمت تجربته عدة مرات. وصولا إلى عدوان الاثني عشر يوما الذي اتخذ هدفا معلنا هو ضرب البرنامج النووي الايراني باعتبار هدفا من السهل تسويقه سياسيا واعلاميا لشرعنة العدوان، في حين ان من يقرأ تفاصيل عدوان الاثني عشر يوما يدرك أن الهدف كان هو ضرب الرؤوس الكبرى في النظام وبما يخلق ديناميكية تشعر الناس بضعف السلطة فتخرج الجماهير لتطيح بها في الشوارع ولتغرق الامة الايرانية في حربها الاهلية الموهومة مستحضرين نماذجهم الناجحة في بلاد العرب. ما اعتقد انه عدوان سيؤدي الى تفكك النظام وقطع رأسه وخروج الجماهير التي وعدها نتنياهو بالديموقراطية والسمن والعسل بعد ان تتخلص من النظام وهو ذات السمن والعسل الذي سبق أن وعد الاردنيون والمصريون والفلسطينيون والسوريون به بمجرد أن ينخرطوا في استراتيجيات السلام والتسوية . لم يحصل. وفي حين كان نتنياهو وترامب وويكتوف ينتظرون مشاهد خروج الجماهير في طهران وقم ومشهد، جاءاتهم الصور والفيديوهات لسفاراتهم ولطائراتهم وهي تحترق ويتم تدميرها. فالنظام بعد اغتيال المرشد في مكتبه وسط طهران والذي يعرفه حتى سائق التاكسي هناك لم يظهر اي اشارة على الوهن والتفكك، بل أن ما بقي شعارا حماسيا ثوريا يتردد على السنة قيادات الثورة في ايران بات واقعا معاشا وحقيقيا بعد العدوان الاميركي الصهيوني الساحق. والحال، فان مشاهد ضرب المصالح الاميركية في المنطقة الذي يجري الان يأتي في مواجهة مشروع اسرائيل الكبرى التوارتية التي لم تعد مجرد كلام يتداوله مجانين المستوطنين في فلسطين وعلماء الاثار التوراتيين الذي اعتدنا ان نسمع ترهاتهم عن مملكة اسرائيل التاريخية وعن الدليل الاركيولوجي المقنع على وجودها، بل صارت سياسة رسمية للكيان وسياسة رسمية للنظام المافيوي الذي يحكم الان في واشنطن والذي خرج علينا احد رموزه قبل ايام وممن شغل مواقع متقدمة ورسمية في الولايات المتحدة وصولا لسفير واشنطن في الكيان ليقنعنا أن اسرائيل الكبرى التي تشمل فلسطين ولبنان والعراق والاردن ونصف مصر وثلث السعودية هي التاريخ القادم للمنطقة والذي يستمد شرعيته من التاريخ الغابر ومن النصوص المقدسة لال صهيون. مشاهد عجز القواعد والقلاع العسكرية والامنية الاميركية عن حماية نفسها بعد ان كان من تملكها من هيبة وصورة يكفي ويفيض كي يردع ويخيف اشد الاعداء والخصوم، كما مشاهد الطائرات الاميركية وهي تسقط في الكويت كما مشاهد اغلاق مضيق هرمز باتت تثير كلها الكثير من الاسئلة في نفوس حلفاء واشنطن في المنطقة، وفي نفوس من يتكأون عليها في حمايتهم وحماية منظوماتهم السياسية واستقرار نظمهم في الحكم . وهي تساؤلات ينبغي ان تثار بعمق بعد أن يستحضر الحلفاء ممن يحتمون بالقواعد الاميركية عدد المرات التي تخلت فيها واشنطن عند اول مواجهة او استحقاق او دفع اثمان عمن يفترض انهم اصدقائها بدءا من امين الجميل في ثمانينات القرن الماضي، مروروا بشاه ايران قبله، مرورا ايضا بالهروب الاميركي المذل من افغانستان والتخلي عن النظام الذي بنوه هناك وقبله الهزيمة المذلة والاستراتيجية لواشنطن في العراق، وصولا لمشروع الدولة الكردية في سوريا وقوات قسد التي باعتها واشنطن عند اول استحقاق. كما أن مشاهد القواعد الاميركية في المنطقة وهي تضرب بهذه الكثافة باتت تمثل عبئا سياسيا واخلاقيا على كامل المنظومة الاقليمية التي بنتها واشنطن والغرب في المنطقة. فالهجمات فضحت كثيرا مما اريد له ان يكون مستورا ومموها ومجهولا. فمع صو رالهجمات استيقط الناس على حقيقة مفادها أن بلاد العرب تعج بقواعد اليانكيز التي باتت تذكرهم باحتلال فرنسي وبريطاني ظلت كتب التاريخ في مدارس الطفولة تعلمهم الاناشيد والقصائد عن بطولات اجدادهم في محاربة احتلالهم. ومناظر ضرب قواعد واشنطن كشفت للناس أن فكرة السيادة التي يسمعونها من مسؤوليهم لا معنى لها طالما أن عدو الامة الذي يقتل في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا يستوطن جنوده على ارض العرب بقواعد مغلقة لا يعرف حتى اعتى المسؤولين عما يجري في داخلها لان القانون الاميركي يحرم حتى أن يمثل جندي اميركي مغتصب امام القضاء الوطني في الدولة التي يستوطن فيها الجندي الاميركي وجرت فيها جريمة الاغتصاب. ولان الحروب هي الخالقة والمولدة لكل الاشياء كما يقول احد فلاسفة الاغريق العظام، فاجزم أن المنطقة الان باتت على اعتاب الاسئلة الكبرى المتعلقة بفناء نظام اقليمي قديم بات يترنج ويحترق والدليل على ترنحه تلك الصور القادمة من العديد والظفرة واالمنامة، وبالحاجة لبناء نظام اقليمي أمني جديد تكون مصر والسعودية والعراق والاردن وغيرهم من الدول العربية اركانا فيه، ويكون بالشراكة الكاملة مع تركيا وايران التي هي دول من حقائق الجغرافيا والتاريخ والمستقبل والهوية المشتركة. وأما الوقوف متفرجين ضمن قوائم المنتظرين لما ستسفر عنه تلك المواجهة الجارية الان في المنطقة بانتظار ان تؤول تلك المعركة لفوز طرف وخسران الاخر، فهو أكثر الخيارات مأساوية وانتحارا. .