تواجه الليرة التركية مرحلة دقيقة أمام الدولار الأمريكي، في ظل تداخل تأثيرات خارجية مع تحديات داخلية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصا بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافق ذلك من تأثيرات على الأسواق المالية العالمية. فالليرة، التي استمرت في التراجع خلال الأيام الماضية ووصلت إلى مستوى 43.9695 مقابل الدولار، باتت تعكس الحذر الذي يتبعه المستثمرون في التعامل مع الأحداث الإقليمية، مع استمرارها في التفاعل مع الظروف الاقتصادية والسياسية المحلية والدولية. ويرتبط أداء العملة التركية بعدة عوامل، منها المخاوف من ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، وتوجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب، إضافة إلى التساؤلات حول قدرة الاقتصادات الناشئة على التعامل مع الصدمات الخارجية دون تأثير كبير على مؤشرات النمو والتضخم. ويرى مراقبون اقتصاديون أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي في المنطقة تعد من أبرز العوامل الضاغطة على الليرة، إذ تميل رؤوس الأموال الأجنبية عادة إلى الانسحاب أو التريث في أوقات الأزمات، ما يؤدي إلى تقلبات حادة في سوق الصرف. وفي هذا السياق، أشار غازي مصرلي، الخبير الاقتصادي التركي، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إلى تزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية محتملة في حال استمرار التصعيد، خاصة مع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما قد يفاقم الضغوط التضخمية ويزيد التحديات أمام الاقتصاد التركي. وقال مصرلي: إن استمرار حالة الترقب يجعل الأسواق التركية مرتبطة بمسار الأحداث الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، موضحا أن أي مؤشرات على التهدئة قد تسهم في تخفيف الضغوط على الليرة، في حين أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى موجة تقلبات جديدة في أسعار الصرف والأسواق المالية. في الوقت ذاته، تواصل السلطات الاقتصادية في تركيا متابعة تطورات الأسواق عن كثب، وسط توقعات باتخاذ إجراءات تهدف إلى الحد من التقلبات والحفاظ على الاستقرار المالي، سواء عبر أدوات السياسة النقدية أو من خلال إجراءات تنظيمية تستهدف تهدئة الأسواق. واقتصاديا، لا يرتبط تراجع الليرة بالعوامل الخارجية وحدها، بل يتقاطع أيضا مع تحديات داخلية تشمل معدلات التضخم المرتفعة وكلفة التمويل، مما يجعل العملة أكثر حساسية تجاه أي صدمات سياسية أو أمنية مفاجئة. بدوره، أكد عبد المطلب أربا، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة صباح الدين زعيم بإسطنبول، في تصريح مماثل لـ/قنا/، أن استقرار الليرة مرهون بعودة التدفقات الاستثمارية وتحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، إلى جانب هدوء التوترات الإقليمية. وأضاف أن ما تشهده الليرة من تراجع أمام الدولار ليس حدثا عابرا أو مرتبطا بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكمات اقتصادية وهيكلية تزامنت مع ظروف إقليمية ودولية شديدة الحساسية. وأوضح أربا أن الاقتصاد التركي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، خصوصا في قطاعي الطاقة والمواد الأولية، مما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو اضطراب في سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة على الطلب على الدولار. كما شدد على أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تزيد حساسية الأسواق التركية؛ كونها اقتصادا ناشئا منفتحا على التجارة العالمية، ما يجعلها أكثر تأثرا بحركة رؤوس الأموال العالمية. وختم بالقول: إن استقرار الليرة يتطلب حزمة متكاملة تشمل استمرار الانضباط النقدي، ودعم الإنتاج والصادرات ذات القيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، مؤكدا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقلبات، لكنها ستبقى مرتبطة بمدى قدرة صناع القرار على تحقيق توازن بين النمو وكبح التضخم واستعادة الثقة في الأسواق. في المقابل، يواصل البنك المركزي التركي اتباع سياسة نقدية مشددة تهدف إلى كبح التضخم ودعم استقرار العملة، عبر الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة وإجراءات تستهدف امتصاص السيولة، ويؤكد مسؤولون أن هذه السياسة تحتاج إلى وقت حتى تنعكس بشكل كامل على المؤشرات الاقتصادية وسوق الصرف. وكان البنك المركزي قد أعلن قبل يومين تعليق مزادات إعادة الشراء لمدة أسبوع، وبدء عمليات بيع العملات الأجنبية الآجلة التي تتم تسويتها بالليرة التركية، في ظل تأثير النزاع الإقليمي على الأسواق. وأوضح البنك، في بيان، أن هذه الإجراءات اتخذت استجابة للتطورات الأخيرة، بهدف ضمان سير عمل سوق الصرف الأجنبي بشكل سليم، ومنع أي تقلبات محتملة في أسعار الصرف، إضافة إلى تحقيق استقرار السيولة في السوق. ومع استمرار التقلبات، يبقى مسار الليرة مرهونا بالتطورات الإقليمية، وحركة الأسواق العالمية، ومدى قدرة الاقتصاد التركي على تحقيق استقرار داخلي يعزز مناعة العملة الوطنية في مواجهة الصدمات الخارجية.