ساعتان ونصف مع خامنئي

مراد بردقجي - خبر تورك (02.03.2026) - ترجمة وتحرير ترك برس مات المرشد الديني الإيراني آية الله العظمى علي خامنئي في قصف شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران قبل يومين. دعوني أروي بتفصيل ذكرى سبق أن كتبتها عن خامنئي: كان ذلك في عام 1982 أو 1983… أيام حرب إيران والعراق الأكثر دموية، وكنت حينها صحفيًا في العشرينات من عمري في طهران… التقيت برئيس الوزراء حسين موسوي، ورئيس البرلمان هاشمي رفسنجاني، ووزير الإرشاد الإسلامي (وزير الإعلام آنذاك، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية) محمد خاتمي، إضافة إلى مقابلات قصيرة مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، وحتى مع رئيس حرس سجن إيفين، أسد الله لاجوردي. لكن شخصين لم أتمكن من مقابلتهما: قائد الثورة آية الله الخميني، والرئيس آنذاك حجة الإسلام علي خامنئي. الخميني لم يكن يجري مقابلات خاصة أصلًا؛ كان بإمكان الصحفيين رؤيته فقط يوم الجمعة قبل خطبة الصلاة في مسجد حسينية بجمران، حيث كان يقف على منصة مرتفعة ويخاطب المسؤولين والشعب، لكن دون إمكانية طرح الأسئلة أو إجراء حديث. أما الرئيس خامنئي فكان يدلي بتصريحات، لكن الوصول إلى مكتبه كان صعبًا جدًا بالنسبة لصحفي شاب مثلي. حاولت كثيرًا، لكنني لم أستطع الحصول على موعد. كان خامنئي من مواليد مشهد، إلا أن عائلته – كما يوحي اسمه – تنحدر من مدينة هامانة القريبة من تبريز في محافظة شبستر بأذربيجان، وكانت لغتهم الأم التركية. في أحد الأيام علمت أن الرئيس سيلقي خطابًا في فندق “لاله”… “لاله” كان في زمن الشاه هو فندق “هيلتون” الشهير في طهران، المعروف بحفلاته الصاخبة. بعد الثورة، غيّر الإيرانيون أسماء الفنادق الأجنبية إلى الفارسية، فأصبح هيلتون “لاله”. في تلك السنوات لم يكن الإرهاب منتشرًا كما هو اليوم، ولم تكن الإجراءات الأمنية خانقة. كان بإمكان الصحفيين الاقتراب من الشخصيات المهمة بمجرد إظهار بطاقة الصحافة. فعلت ذلك، دخلت إلى لاله، عرضت بطاقتي على حراس خامنئي، اقتربت من المنصة التي ألقى منها خطابه، وما إن انتهى حتى قلت بالفارسية: “أنا صحفي، أحاول منذ أسابيع الحصول على موعد معكم لكن دون جدوى…”. الإيرانيون يعرفون أن المتحدث الفارسي تركي الأصل من طريقة نطق حرف “خ”. فالنطق الصحيح لحرف “خ” الفارسي يشبه “العين” العربية، ومن الصعب على الأجانب إتقانه. الرئيس، وربما لأنه أدرك من نطقي لكلمة “خبرنگارم” (صحفي) أن “خ” فيها غير سليمة، نظر إليّ من الأعلى إلى الأسفل، ثم سألني بالأذرية: “تركسن؟” أي “أأنت تركي؟”. قلت: “بلي” (نعم)، فقال: “من الآن ذاهب إلى مصنع بيكان، نتحدث في الطريق”. أخذني إلى سيارته، وهناك أجريت المقابلة التي حاولت الحصول عليها منذ أسابيع، وتجولنا معًا في المصنع، وقضينا ساعتين ونصفًا. هل كان الأمر إهمالًا أم كِبرًا؟ من الواضح أن مقتل خامنئي سببه ثغرة أمنية كبيرة، لكني لا أفهم هذه الثغرة ولا أستوعب سببها: الأسطول الأمريكي كان قريبًا من إيران، والطائرات الحربية جاهزة للهجوم في أي لحظة، وخامنئي تحت مراقبة الاستخبارات الأمريكية - سي آي إيه باستمرار. فلماذا لم يذهب الإيرانيون بالمسؤول الأول إلى ملجأ محصّن، بل أبقوه في منزله، واجتمع حوله كبار المسؤولين؟ في دول أكثر فقرًا وتخلفًا، لا تُعقد الاجتماعات الحساسة في مكان واحد، بل تتم عبر الاتصالات الآمنة. فلماذا لم يفكر الإيرانيون في ذلك، وجعلوا المسؤولين هدفًا سهلًا؟ يبدو أن “تقاليد الدولة الممتدة لألفين وخمسمئة عام” لم تكن كافية لمنع هذا الخطأ، أو أن الكِبر الذي أصاب السلطة منعها من الالتزام بقواعد الأمن. لا حرب أهلية… لكن النظام سيلين! ما زال بعض “الخبراء” الذين يظهرون على شاشات التلفزة يكررون القول إن “إيران قد تشهد حربًا أهلية، أو تتقسم، أو ينهار نظامها”. لكن في إيران، لا توجد معارضة مسلحة يمكن أن تقود حربًا أهلية. فمن سيقاتل من؟ قد نشهد احتجاجات ضد النظام في الأيام المقبلة، لكنها ليست حربًا أهلية؛ إنها مجرد انتفاضات. في مثل هذه الحالات يرد النظام بعنف، وقد يموت عشرات الآلاف. أما احتمال تقسيم إيران فصعب، لأن هوية “الإيرانية” متجذرة منذ قرون. بعد غياب خامنئي، سيحاول قادة إيران الجدد في البداية إظهار القوة ورفع الشعارات، لكن مع مرور الوقت سيضطرون – على الأقل تجاه الشعب – إلى قدر من المرونة واللين.