هرمز: موجة صدمة عالمية

كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس منذ 5 أيام، لا تجري في محور الشرق الأوسط والخليج تطورات ذات طابع عسكري فحسب؛ بل إننا أمام تصعيد قادر على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي، وخلق صدمة متعددة الطبقات. إن لجوء إيران هذه المرة إلى ردود فعل أشد وأوسع نطاقًا، واحتمال استخدامها إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط فعلية، إضافة إلى تصريحاتها المتعلقة باستهداف البنى التحتية للطاقة واللوجستيات في المنطقة، كل ذلك وسّع حدود الأزمة التي نشهدها. مضيق هرمز هو ممر يمر عبره نحو ربع إمدادات النفط العالمية. أي اضطراب دائم في هذا الممر لن يرفع أسعار النفط فحسب؛ بل سيرفع أيضًا تكاليف النقل البحري والتأمين بشكل سريع. إن بقاء أكثر من 700 ناقلة في الانتظار، واضطرارها لتغيير مساراتها، وارتفاع أقساط التأمين الحربية، كلها عوامل سترفع تكلفة البرميل ليس ببضعة دولارات، بل بمعدلات من خانتين رقميتين. وقد شهدنا بالفعل ارتفاعًا بنحو 20 دولارًا. وفي حال تعمقت حدة التوتر، فإن استقرار سعر النفط فوق 100 دولار للبرميل سيعني انتقال الارتفاع إلى تكاليف الإنتاج العالمية على شكل سلسلة مترابطة. لكن المشكلة لا تقتصر على النقل البحري. فإغلاق أو تقييد المجال الجوي في الخليج سيعطل عمل مراكز عبور جوية عالمية مثل دبي والدوحة وأبوظبي. وستضطر الرحلات بين أوروبا وآسيا إلى سلوك مسارات أطول؛ ما يعني زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود. هذا الأمر لن يضر فقط بحسابات شركات الطيران، بل سيؤثر على حركة السياحة العالمية، ونقل الشحن السريع، وسلاسل توريد السلع ذات القيمة المضافة العالية. المسافرون العالقون، والرحلات الملغاة، وارتفاع أسعار التذاكر ستدفع قطاع الخدمات التجارية إلى انكماش ملحوظ. إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة سيولد موجة ثانية عبر قناة التضخم. فأسعار الوقود والغاز ستنعكس على تكاليف الإنتاج والنقل، كما ستضغط على أسعار الغذاء. ومن المحتمل أن يعود التضخم العالمي إلى مسار صعودي، ما سيدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة. وهذا يعني مزيدًا من الضغط على النمو العالمي. إننا أمام موجة شبيهة بأزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، لكنها هذه المرة ستُحسّ بشكل أكثر ترابطًا داخل الاقتصاد العالمي. بالنسبة إلى تركيا، الصورة واضحة. بوصفها اقتصادًا مستوردًا للطاقة، فإن ارتفاع سعر النفط بشكل دائم بنحو 20–30 دولارًا سيزيد العجز في الحساب الجاري بمليارات الدولارات. ومع أخذ انتقال أثر الطاقة في الاعتبار، هناك احتمال قوي لارتفاع التضخم بمقدار 3–4 نقاط مئوية في سيناريو الضغط. كما أن ارتفاع تكاليف اللوجستيات وتراجع الطلب العالمي قد يضعفا أداء الصادرات. وبالتالي فإن هذه الأزمة ليست جيوسياسية فحسب؛ بل هي أيضًا اختبار لمتانة الاقتصادات الكبرى. إن لجوء إيران إلى استخدام جميع أوراقها، والإشارات إلى احتمال قيام الولايات المتحدة بعمليات أكثر قسوة في الأسابيع المقبلة، يوحيان بأن فرص الحل الدبلوماسي تتراجع، وأننا نقترب من عتبة يصعب العودة منها. فإذا لم يتم احتواء التوتر عبر مسار دبلوماسي، فإن هرمز سيتحول من مجرد ممر بحري إلى مركز لموجة ارتفاع تكاليف عالمية. ما يحدث اليوم يذكرنا بأن أمن إمدادات الطاقة لا يرتبط فقط بالقوة العسكرية الرادعة، بل باستمرارية سلاسل اللوجستيات. فاختناق هرمز سيولد سلسلة من الآثار الاقتصادية تمتد من أسعار النفط وتذاكر الطيران إلى تكاليف الشحن والتضخم. وعلى الاقتصاد العالمي أن يستعد ليس فقط لصدمة طاقة جديدة، بل لموجة تكلفة متعددة الأبعاد. وإذا بقي “العقدة” في هرمز دون حل، فإن المشهد قد يتحول إلى لحظة إعادة رسم للتوازنات الاقتصادية العالمية.