ظلّت السعودية محافظةً على ميثاق صلحها مع إيران، الذي تم بوساطة ورعاية صينية. وأتاح ذلك التوافق حلحلة عدد من مشكلات المنطقة، خصوصاً محاولة دفع الحوثيين للقبول باتفاقات تبادل السجناء، وخفض التصعيد والتهدئة في اليمن. وعلى النقيض من ذلك العهد؛ حاولت إيران الاستمرار في زعزعة استقرار المنطقة بالإيعاز لـ«حزب الله» بخرق قرار الدولة اللبنانية والخروج على مبدأ حصرية خيار الحرب والسلم بيد الدولة وعرقلة جمع السلاح. وأوعزت طهران لجماعة «الحوثي» بضرب الملاحة التجارية في البحر الأحمر. وكلها خيارات خاطئة انتهت بتدمير قدرات حزب الله، وتصفية قيادته بدءاً من أمينه العام السابق حسن نصر الله، وضرب صواريخ الحوثي، وقياداته الأمنية والعسكرية.وهكذا استيقظت إيران لتكتشف أنها فقدت أهم الأوراق بيدها. وهي ورقة النفوذ الإقليمي.وكان مثيراً للاستغراب والدهشة أن تعمد إيران، في أتون مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى ضرب دول خليجية عربية (جارة) مسالمة، والاعتداء السافر على السفارات الأجنبية والمطارات والمواقع الحيوية المدنية، رغم أن كثيراً من هذه الدول لها معها علاقات متجذّرة وتاريخية، مثل سلطنة عُمان. كما أطلقت صواريخها على السعودية، التي كانت أول من سعى إلى حض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على التخلي عن خيار الحرب، والبحث عن خيار يحسم الخلافات من خلال التفاوض والدبلوماسية.ويبدو أن استهداف السفارات الأمريكية في دول الخليج سيكون بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، خصوصاً أن الرئيس الأمريكي هدّد طهران بأن الرد سيكون قريباً، وأنها ستدفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك.ومع توالي الضربات الموجعة، بدت الجمهورية الإسلامية التي قالت منذ اليوم الأول لتأسيسها أنها لن تتفاوض أبداً مع «الشيطان الأكبر»، تستجدي الحوار مع الولايات المتحدة، خصوصاً وأن لها تاريخاً يمتد أكثر 40 عاماً من المحادثات خلف الكواليس وأحياناً أمام الستار.وكلما حاولت إيران تأكيد أحقيتها بزعزعة المنطقة والعالم، واستفزاز الدول الإقليمية والعالمية، انتهى الأمر بضربات تقصم ظهرها من القوى الغربية، التي تقودها الولايات المتحدة. وقاد عنادُها، وتشبّثُها بحلم «القنبلة» إلى استهدافها مراراً وتكراراً، حتى اخترقتها المخابرات الإسرائيلية، وأضحت أسرارها مكشوفة، وقادتها المختبئون في طهران أصبحوا هدفاً سهلاً مكشوفاً وكان آخرهم اصطياد المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، ووزير الدفاع الجديد، وقيادات أمنية كثيرة. وكانت حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 أكبر كارثة تحيق بالشعب الإيراني بسبب أخطاء قادته. ويبدو أن الأخطاء السياسية والأمنية والعسكرية في إيران تُرتكب هناك من دون رَوِيَّة أو تريُّث، ولا تُحْسَبُ أبعادُها السالبة حساباً دقيقاً. وآخرها اتخاذ قرار توجيه الصواريخ والمقذوفات صوب الدول الخليجية والعربية، وفي مقدمتها السعودية. أي معاقبة دول مسالمة جارة على حرب تواجهها، نتيجة سياساتها وأفعالها وممارساتها الخاطئة؛ بل إن المملكة حرصت على إبلاغ طهران بأنها لن تسمح لأية قوة في العالم باستخدام أراضيها قاعدة لضرب إيران. لكن الذين في نفوسهم غرض، وحقد، وحسد يرون بمنتهى البساطة أن ضرب السعودية ودول الخليج العربية هو أفضل حل! ومن يفكر بهذه الطريقة بحاجة إلى «كونسلتو» أطباء نفسانيين لمعالجته، واستخراج تلك «الأحقاد» من قلبه لتعود إليه إنسانيته وعقله السليم.الأكيد أن المملكة تصون العهد ولا تتسرع في اتخاذ المواقف. لكن تصرف النظام الإيراني «الأرعن» جاء تنبيهاً بأعلى صوت لمخاطر التعامل مع إيران، ولاحتمالات لجوئها إلى صواريخها الباليستية بعد فترة قصيرة من زيارة وزيرها عباس عراقجي للرياض، بحثاً عن سبل لتجنيب بلاده الكارثة التي سعت إليها بنفسها. وقد صدق البيان السعودي الرسمي الصادر السبت (28 فبراير 2026) حين وصف الهجوم الإيراني على منطقتَي الرياض والشرقية بأنه «هجوم سافر وجبان»، وتأكيد المملكة، أن تكرار هذا الهجوم الجبان وغير المبرر يتعارض وبشكل صارخ مع جميع الأعراف والقوانين الدولية بما فيها اتفاقيتا جنيف 1949 وفيينا 1961 التي تمنح الحصانة للمباني الدبلوماسية وموظفيها حتى في حالات النزاع المسلح، فمن يبعث إليك بوزرائه ومسؤوليه ثم يغدر بك موجّهاً صواريخه على بلادك وقاطنيها لا يستحق أكثر من أن يوصف بأنه «جبان» و«مجنون».. والمنطقة لم تعد تحتمل «المجانين»!وإيران ما قبل 28 فبراير لن تكون إيران ما بعد!