منهجية التدبر في القران الكريم

رمضانيات (٨) … يركز القران الكريم في خطابه للإنسان على التفكير، وليس عبثا ان أول سورة نزلت كانت ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ..)، وقد حفل القران الكريم في خطابه بمئات الايات التي تجسد هذه الحقيقة، وقد ختمت كثير من الايات بخطاب ؛ ( افلا تعقلون، أفلا تذكرون، افلا يتدبرون، إلا العالمون …). ورود لفظ "العقل" في القرآن بصيغ الفعل وليس بصيغة الاسم دلالة على حيوية واستمرارية أنشطة العقل المختلفة؛ كالتفكر و التدبر. وبالتالي دعوة لاستثمار هذه النعمة التي تميز بها الإنسان عن باقي المخلوقات وجعل الاختيار خاصية له دون الكثير من المخلوقات. يوجه القرآن الإنسان للتفكر في خلق الكون في مواضع كثيرة، كقوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}، وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} حيث وجه للتفكير بخلق الإنسان وهو من اعظم المعجزات في خلقه سبحانه. وشمل ذلك عموم الخلق البشري أيضاً وليس جسد الإنسان فحسب، كما جاء في الاية {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}. الجانب الاخر للتدبر هو قصص الامم السابقة، والتعرف على سنن الله في التاريخ البشري التي لا تحابي احدا، فجاءت قصص عاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم، كما فصل كثيرا في بعض قصص الانبياء عليهم السلام، في هذه القصص عبر واضحة، وإرشادات ايضا لتجنب مصيرها بالهلاك والفناء. ومن لم يتعض منهم فيبني خططه ومسارات حياته فلا بد ان المصير المذكور ينتظره، من الآيات الواردة قوله تعالى ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ). الدعوات القرانية بصيغها المختلفة توجه إلى ضرورة التفكير العميق، اي بمعنى البحث العلمي الدقيق، لذلك جاءت بعض الدعوات للتفكير مخصوصة للدلالة على هذا المعنى كقوله تعالى بخصوص الابل {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ). و في حال عدم استخدام هذه الميزة البشرية بشكل منهجي صحيح؛ نجد ان الله قد جردهم من الصفة الانسانية المتقدمة على غيرهم من المخلوقات كما قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}. في قوله تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} دعوة واضحة للتدبر وان جاءت بصيغة الاستنكار ليكون المانع هو عمى القلوب ( ام على قلوب أقفالها)، اي هناك مشكلة في النية والإرادة وليست في القدرات والأدوات وهو ما وضحته الاية الكريمة ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). جاء خطاب العقل والتفكير في القرآن الكريم بصيغة الجمع للدلالة على أنه فعل للجماعة والمجتمع والأمة، ومن ينظر في تخلف الامة وتبعثرها وتبعيتها لغيرها من الامم ليجد ان احد اهم الاسباب هو غياب التفكير الجمعي عن الامة، فغالب شعوبها تدار برغبات وأهواء افراد وليس بشراكة الشعب او الامة كلها، وبالتالي نتيجته تخلف وفقر وظلم وعبودية. ومالم ندرك جميعا ان هذا الفعل الجمعي احد شروط التحرر والنهوض فلن يكون هناك قائمة لنا، ولعل ابرز ممارسة لهذا المطلوب هي " الشورى"، لذلك كانت القاعدة الشرعية ( وأمرهم شورى بينهم)، ونقيض ذلك هي " الفرعونيّة" التي تقوم على قاعدة ( ما أريكم إلا ما ارى). وشواهدها القديمة في التاريخ وما عشناه ونعيشه وآثارها اكثر من أن تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه دعوة في رمضان - ومعظمنا يجتهد بزيادة ورد القران الكريم - ان نتدبر ما نقرأ، وان نبدأ على المستوى الشخصي باعادة رسم منهجيات جديدة او تعديل الممارس منها وفق التوجيهات القرانية وهي كثيرة. ثم ان نتفكر كمجموع بادوات ووسائل جديدة او تعديل على ما هو ممارس للنهوض بأوطاننا وامتنا واول خطوة يعلمنا اياها القران هي الوحدة ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وعدم النزاع ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). وبغير ذلك التدبر يكون الاعتراف المتأخر يوم القيامة ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ). أسأل الله ان نكون ممن يقرأ القران الكريم ويتدبره ويعمل به ويطبق منهجيته، وتقبل الله طاعتكم. .