الصناعة التي يخلقها الإرهاب..

بعيدًا عن الأماكن التي تدور فيها العمليات الإرهابية، وبعيدًا عن «مَن المستفيد» – الذي سبق أن أفردت مقالًا عنه بعنوان «صناعة الإرهاب» – فإذا توسعنا في النظر، نجد أن «اقتصاد الإرهاب» يشكل نسيجًا معقدًا يتخلل شرايين الاقتصاد العالمي بطرق قد لا تكون واضحة للعيان.بموازاة صناعة مكافحة الإرهاب، توجد شبكات معقدة لتمويل الأنشطة الإرهابية نفسها؛ حيث تزدهر أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية (مثل نظام «الحوالة»)، وعمليات غسل الأموال عبر التجارة الدولية (مثل تهريب النفط والآثار وألماس الخام)، واستغلال جمع التبرعات الخيرية. وتشكل هذه الشبكات اقتصادًا موازيًا يعتمد على ثغرات في الأنظمة المالية العالمية.وتُعد صناعة التأمين وإدارة المخاطر واحدة من أهم الصناعات التي تحقق أرباحًا كبيرة؛ فمع كل هجوم إرهابي، ترتفع أقساط التأمين على الحياة والممتلكات والبنى التحتية الحيوية. كما تدفع الشركات متعددة الجنسيات والمنشآت الحيوية الملايين استثمارًا في تقييم المخاطر ووضع خطط إدارة الأزمات، مما يخلق سوقًا ضخمة لشركات الاستشارات الأمنية والتأمينية المتخصصة. وقد أصبح الخطر الإرهابي عاملاً محوريًا في حساب تكلفة أي مشروع دولي.ولا شك أن هناك صناعات عديدة تزدهر نتيجةً لوجود ظاهرة الإرهاب، وعلى رأسها الشركات العالمية الكبرى في مجال الدفاع والتكنولوجيا، والشركات المتخصصة في الأمن والمراقبة والتكنولوجيا، والشركات المتخصصة في حماية الحدود وتأمين المنشآت، وشركات أنظمة المراقبة والاستخبارات (ISR) التي تنتج الطائرات بدون طيار (الدرونز) والأقمار الصناعية و كاميرات المراقبة الذكية، وشركات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات من وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات للكشف عن التهديدات المحتملة، بالإضافة إلى أجهزة التعرف على الهوية البيومترية (بصمات الأصابع، قزحية العين، التعرف على الوجوه)، وحلول الأمن السيبراني لحماية الشبكات والأنظمة الحساسة من القرصنة، وأنظمة اعتراض الاتصالات لاعتراض وتحليل الاتصالات المشفرة وغير المشفرة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة لاكتشاف وتعطيل أو تحطيم الطائرات المسيرة المعادية، وأنظمة التفتيش الأمني لأمن المطارات والمنشآت الحيوية. وغير ذلك من صناعات وتقنيات وحلول تكنولوجية متطورة تزدهر وتنمو بوتيرة أسرع في ظل ظاهرة الإرهاب.الخلاصة هي أن ظاهرة الإرهاب لم تعد مجرد أفعال عنف متفرقة، بل تحولت إلى «نظام بيئي اقتصادي» كامل (Economic Ecosystem). في هذا النظام، هناك طرفان يتغذى أحدهما على الآخر: الطرف الأول هو صناعة الإرهاب التي تخلق الطلب، والطرف الثاني هو الصناعة المضادة للإرهاب التي تستجيب لهذا الطلب بمنتجاتها وخدماتها. بينهما، تدور رحى اقتصاد ضخم تقدر قيمته بترليونات الدولارات، تتحول فيه الدماء والألم إلى أرباح وميزانيات ونمو في أسواق قد لا تخطر على بال. وهذا ما يجعل الحرب على الإرهاب، من منظور اقتصادي بحت، واحدة من أكثر الحروب ربحية واستدامة في عصرنا.