بين منع الحرب وحقِّ الرد... أين تقف السعودية؟

لم تعد المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد تصعيد عسكري محدود في نطاق جغرافي ضيق. فمع انتقال الردود الصاروخية إلى استهداف مواقع داخل دول الخليج، دخلت الأزمة مرحلة مختلفة، حيث باتت السيادة الوطنية وأمن الإقليم في صلب المعادلة. وفي هذا التحوّل، لم يعد السؤال متعلقًا بتوازنات القوى الكبرى فحسب، بل بكيفية تموضع الدول الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، بين محاولة منع الحرب وحماية أمنها عندما تُفرض عليها.في هذا السياق المتسارع، يقتضي فهم الموقف السعودي العودة خطوة إلى الوراء. فقبل اندلاع الضربات، كانت الرياض تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا لمسار المواجهة. تقارير دولية أشارت إلى أن المملكة، ومعها عواصم خليجية، أبلغت واشنطن بوضوح مخاوفها من أن أي عمل عسكري واسع ضد إيران قد يفتح الباب أمام تصعيد غير قابل للضبط، ويهدّد أمن الطاقة، ويضع الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية في دائرة الخطر. وفي ذلك السياق أكّدت السعودية أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها منطلقاً لأي هجوم، في تموضع يعكس إدراكًا بأن الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى محدودة، وأن آثارها تتجاوز أطرافها المباشرين.ذلك الموقف لم يكن حيادًا سلبيًا، بل تموضعًا استراتيجيًا يقوم على أولوية منع الحرب قدر الإمكان. فالمملكة التي تقود تحولًا اقتصاديًا واسعًا تدرك أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لاستمرار التنمية، وأن أي مواجهة مفتوحة مع إيران، أو محاولة لإسقاط نظامها بالقوة، قد تنتج فراغًا أمنيًا واضطرابًا ممتدًا في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيًا.غير أن المعادلة تبدلت مع انتقال الرد الإيراني إلى استهداف مواقع داخل عدد من الدول الخليجية، وصولًا إلى مناطق داخل المملكة. هنا لم يعد الحديث عن حرب تدور في نطاق بعيد، بل عن مساس مباشر بسيادة دول عربية. واستهداف أراضٍ ذات سيادة، أيًا تكن مبرراته، ينقل الأزمة من مستوى الصراع بين قوى كبرى إلى مستوى الاعتداء على الحدود الوطنية، وهو تحوّل جوهري في طبيعة المشهد.البيانات السعودية التي صدرت عقب ذلك جاءت منسجمة مع هذا التحوّل في السياق. فقد أدانت المملكة الاعتداءات ووصفتها بانتهاك سافر للسيادة ومبادئ القانون الدولي، وأكّدت تضامنها الكامل مع الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن، في تأكيد واضح على أن أمن الخليج لا يتجزأ. وفي الوقت ذاته شدّدت على أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على أي عدوان.هذا الانتقال من محاولة منع الحرب إلى التأكيد على حق الرد لا يمثّل ازدواجية في المبدأ، بل تغيرًا في الظروف. فالدولة التي سعت إلى تجنيب المنطقة مواجهة واسعة ليست ملزمة بقبول أن تصبح ساحة لها. وفي إطار القانون الدولي، يشكّل احترام سيادة الدول قاعدة أساسية لتنظيم استخدام القوة. كما يقر ميثاق الأمم المتحدة بحق الدفاع عن النفس عند التعرّض لاعتداء مسلح، شريطة أن يكون الرد متناسبًا وضروريًا. وبين مبدأ الامتناع عن استخدام القوة ومبدأ الدفاع المشروع تتحرك السعودية، مؤكدة أنها لم تكن طرفًا في بدء التصعيد، لكنها تحتفظ بحقها الكامل في حماية أمنها وسيادتها.وإضافة إلى ذلك، فإن استهداف أراضي دولة لم تعلن الحرب، أو لم تكن منطلقًا مباشرًا لعمل عسكري، يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ عدم توسيع نطاق النزاع إلى دول ثالثة. ومن هذا المنظور، يصبح الدفاع عن السيادة ليس مجرد خيار سياسي، بل التزام قانوني تجاه حماية الإقليم والسكان، وفق القواعد المستقرة في النظام الدولي المعاصر.في المقابل، لم ينفصل الموقف السعودي عن محيطه الخليجي. فقد جاء التضامن الصريح مع الدول التي طالها الاستهداف ليؤكد أن أمن الخليج وحدة واحدة. هذا التماسك لا يقتصر على بعد رمزي، بل يحمل بعدًا ردعيًا واضحًا؛ إذ إن وحدة الموقف السياسي وتنسيق الرسائل بين العواصم الخليجية يعززان كلفة أي استهداف مستقبلي، ويؤكدان أن التعامل مع أي اعتداء لن يكون مجزأً أو معزولًا. وفي بيئة إقليمية معقدة، يشكّل هذا الاصطفاف المنضبط عنصر استقرار وردع في آن واحد، لأنه يبعث برسالة مفادها أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن أي مساس بدولة منها ستكون له تداعيات أوسع.ومع ذلك، لم تتجه الرياض إلى خطاب تصعيدي مفتوح، ولم تتبنَّ لغة تتجاوز حدود الدفاع المشروع، بل أبقت تحركها ضمن معادلة ردع منضبطة، مقرونة بدعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه انتهاك السيادة وتقويض استقرار المنطقة. إنها مقاربة تجمع بين حماية الأمن الوطني ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد لا تكون في مصلحة أحد.هكذا يتضح موقع الرياض في هذه اللحظة المفصلية. فهي ليست طرفًا في حرب سعت إليها، ولا دولة تقف على الهامش. بل قيادة حاولت منع الحرب عندما كان المنع ممكنًا، وتؤكد اليوم حقها في الرد عندما أصبح الاعتداء واقعًا. بين هذين الحدين يتحدد تموضعها: حماية السيادة، وصون الاستقرار، وتعزيز تماسك الخليج، من دون التفريط في حق الدفاع المشروع الذي تكفله المواثيق والقوانين الدولية.