محمد الرميحي: هدية صومي الأوّل «بسكليته»

المفكر الدكتور محمد الرميحي، شخصية فخمة بكل معطياتها، إلا أنه إنسان رقيق وراقٍ على مستويات عدة، وها نحن نعود معه إلى ذكريات تبعد عنه وعنا قرابة ستة عقود، لنتهجَّى شيئاً من ملامح وملاحة وأحلام تلك الأيام، فإلى نص المسامرة:رائحة المطبخ• ماذا عن ذكريات الطفولة الرمضانية؟•• رمضان الطفولة كان زمناً بطيئاً ودافئاً. أتذكره بروائح البيوت أكثر مما أتذكره بالأيام؛ رائحة المطبخ قبيل المغرب، وصوت المذياع، وانتظار الأذان بقلق بريء. كان الصوم تجربة جسدية بسيطة، لكنه كان أخلاقياً عميقاً. وأول تجربة صوم لي تلقيتُ من الوالد -رحمه الله- هدية «بسكليته» (دراجة هوائية)، بسبب نجاحي في صومي الأول لرمضان.• هل تأخذك النوستالجيا للمكان؟•• نعم، للمكان دور مركزي في الذاكرة الرمضانية؛ الأزقة، المساجد الصغيرة، والبيوت القديمة. المكان في رمضان ليس جغرافياً فقط، بل وجداني. لقد كان منزلنا في القديم في رمضان ملتقى الأهل والأصدقاء فكان موعد الإفطار جماعياً وليس شخصياً، وقتها في الطفولة كان ظهور الراديو الذي كان ينقل التسابيح والأذان، فكان الرجال يجتمعون حوله قبل دقائق من موعد الإفطار، أما النساء فكنّ مشغولات بإعداد ما لذَّ وطاب من الطعام خصوصاً «الهريس» وهو الحبَّ المطبوخ مع اللحم، و«التشريبة»؛ أي خبز الرقاق مع المرق.• ماذا يعني أن يعود عليك رمضان وأنت تقرأ وتكتب؟•• يعني مراجعة النفس أكثر من مراجعة الكتب. القراءة تصبح أبطأ، والكتابة أكثر حذراً. ولكنه موعد جميل يعطيك من الوقت أكثر مما تخصه في أيام الإفطار، وعادة ما أرجع لكتب التراث خصوصاً تلك الكتب التي تقدم زاداً معرفياً إضافياً.• من تفقد في الشهر الفضيل؟•• أفتقد الوجوه التي كانت تملأ الطاولة بالكلام لا بالطعام. الغياب في رمضان شكل آخر من الحضور. أفقد بالطبع الوالد والوالدة (رحمهما الله) وأيضا الجيران من الأقارب الذين كانوا دائماً على سفرة الوالد، وإثر التطور الحديث أصبح الناس شبه فرادى، وحتى التهنئة برمضان أصبحت في الغالب تصلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.• ما العادة التي تحرص عليها مطلع رمضان؟•• الهدوء، وتقليل الضجيج، خصوصاً الداخلي، وزيارة بعض الديوانيات التي أتردد عليها للتهنئة، والأهم تجمُّع العائلة الكبيرة في اليوم الثاني من أبناء العمومة وأولادي والأحفاد.• أي ساعة في رمضان تشعر فيها بسعادة أكبر؟•• ما قبل المغرب بقليل، لحظة صفاء واكتمال الصيام وقرب الإفطار، عادة بعد أخذ قيلولة قصيرة.• لماذا نخصّ رمضان بالأطباق الفرايحية؟•• لأن الطعام طقس اجتماعي وذاكرة مشتركة، لا استهلاكاً فقط، وأيضاً بسبب الجوع النسبي يظن الإنسان انه سوف يأكل كل ما يطبخ، ولكن الحقيقة الإنسانية تقول دائماً إننا عقب لقيمات نكون أسكتنا صوت الجوع.المراجعة والتعديل والضبط• كيف تقضي يوم صيامك؟•• أقضيه في القراءة والكتابة، فأنا مرتبط بعدد من مؤسسات صحفية أقوم بإعداد مقالاتي في أي ظرف كان وحتى في رمضان، فالدقة تتطلب مني الكتابة والمراجعة والتعديل والضبط.• ما موقف والدتك ووالدك من صومك المبكِّر؟•• كان تشجيعاً ممزوجاً بالرحمة، دون قسر، ومع التشجيع كما قلت في البداية هدية كنت في شوق إليها (دراجة هوائية).• ما برنامجك الرمضاني من الفجر إلى السحور؟•• الفجر للتأمل، النهار للعمل، المساء للأسرة أو الزيارة، أو العزلة، والسحور للمصالحة مع اليوم. وأحرص أن يكون السحور وجبة خفيفة عادة في الأعوام الأخيرة أتناولها مبكراً في الديوانية التي أذهب إليها كل ليلة مع الأصدقاء.• أي الأكلات التي تحرص على وجودها على مائدتك؟•• الأكلات البسيطة ذات الجذور المحلية؛ «هريس» و«تشريبة» وسلطة.• من تدعو لتناول الإفطار أو السحور معك؟•• الأقرب فالأقرب، وبعض الأصدقاء ولكنهم يتغيرون.• كيف تقرأ تحولات المجتمع السعودي من خلال رمضان؟•• رمضان مرآة للتحولات، مع بقاء الجوهر الروحي حاضراً. وليس لدي دراية تامة بالمجتمع السعودي ولكني أعتقد أن مجتمعات الخليح متقاربة في الكثير من السلوكيات الرمضانية، وما تغير في بلادنا هو التحول من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواة الصغيرة.الرياضة بروح ثقافية• هل تتابع برامج إذاعية أو تلفزيونية؟•• أميل للإذاعة والبرامج الهادئة. وأتابع بعض المسلسلات ولكنها في الغالب تثير الكثير من السلبية لدي لأنها لم تعد بالجودة السابقة، أصبحت مجالاً للصراخ وبعيدة عن الواقعية.• أين درست المرحلة الابتدائية؟•• في مدرسة حكومية بسيطة من نسيج الحي تسمى المدرسة الشرقية.• من بقي من زملاء الفصل؟•• قليلون، لكن حضورهم في الذاكرة أعمق. فقد ذهب البعض إلى ربه، وانشغل الآخرون بمشاغل الحياة الحديثة.• ما المواقف العالقة بالذهن من الدراسة؟•• لحظات النجاح الأولى ودهشة الاكتشاف. للمعرفة وكتاب القراءة الملون وقصص ذلك الكتاب.• لماذا يتناقص عدد الأصدقاء مع العمر؟•• لأننا نصبح أكثر انتقائية وأقل مجاملة، ولأن عوامل الزمن تفعل فعلها.• ما حكمتك الأثيرة؟ وبيت الشعر؟ واللون الذي تعشق؟•• الحكمة: ليس كل ما يُقال يُراد.البيت: وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابااللون: الأزرق الهادئ.• ما الأمنية التي تطلب من الله تحقيقها؟•• عموماً.. استقرار المنطقة.خصوصاً.. السكينة وطول العمر بصفاء.• هل لك ميول رياضية؟•• أتابع الرياضة بروح ثقافية لا تعصباً.