تُعدُّ حماية المصنفات الفكرية جزائيًا ومدنيًا من أبرز التحديات القانونية في العصر الحديث، خاصة في ظل التطور التكنولوجي وانتشار الوسائل الرقمية التي تُسهّل نسخ وتداول المحتوى بدون إذن أصحاب الحقوق. وفي هذا السياق، يأتي قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة الأردني رقم 22 لسنة 1992 وتعديلاته، ليضع إطارًا جزائيًا واضحًا لحماية المصنفات والمؤلفات من الاعتداءات غير المشروعة، عبر نصوص بينت الإجراءات القانونية والعقوبات التي تُطبق على المخالفين. ولكن، حتى ومع محاولة المشرع الأردني لحل هذه المشكلة عبر الجزاءات المختلفة، إلا أنه وقع بمشكلتين مختلفتين، أولهما وهي مشكلة عدم تناسب الجزاء مع جسامة الفعل، وثانيهما هي مشكلة عدم توضيح المعايير المطلوب تحققها حتى تتحقق الجريمة التي يقع عليها الجزاء. فبالنسبة للمشكلة الأولى، نجد أن معيار "تناسب الجزاء مع جسامة الفعل" يعد من المبادئ المهمة والأساسية في التشريع العقابي بالدول المتقدمة، فلا يُعَقل مثلًا أن نجازي فعلًا صغيرًا بذات المجازاة لفعل آخر أشد جسامةً منه، فمناسبة العقوبة لجسامة الفعل والجريمة هي إحدى ضمانات المحاكمة الجزائية العادلة في القانون. وإسقاطًا لهذه المشكلة بشكل عملي على قانون حماية حق المؤلف، نجد أننا لو أخذنا الحق في النشر على سبيل المثال كحالة على عدم تناسب الفعل مع الجزاء، سنجد أن هذا الفعل يختلف في جسامته بين من يقوم بنسخ كتاب وتوزيعه بلا إذن المؤلف على معارفه دون كسب مردود مادي وبين من يقوم بتوزيع هذا الكتاب تجاريًا في أسواق الكتب؛ فالأول لا يتكسب ماديًا منه، كما أنه هدفه على الأغلب يكون نشر المعرفة، أما الثاني فهدفه التكسب ماديًا ولو كانت بطرق غير مشروعة. وبالتالي، فإن الفعلين بين الشخصين يختلفان في الجسامة، ومع ذلك، فإن المشرع الأردني يعاقبهم بذات العقاب وبذات الجزاء، فالاثنين سيخضعان للعقوبات المنصوص عليها في المواد 46-51 من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة، فهذا بنظري المتواضع خلل تشريعي وجب التنبه له وعدم تركه على عواهنه. أما المشكلة الثانية، فنرى أنها عبارة عن السبب الأساسي للمشكلة الأولى، إذ أن عدم مناسبة الجزاء لجسامة الفعل ناتج عن غياب معايير واضحة يتم فيها تحديد الخطوط الأساسية للجريمة؛ إذ كان يجب على المشرع أن يوضح متى يكون التعدي "تعديًا" بمفهوم القانون، ومتى لا يكون كذلك. ولتوضيح الفكرة، ألجأ للمادة (9) من ذات القانون كمثال على ذلك، فهذه المادة وضعت بعض الحقوق المالية التي لا يجوز ممارستها إلا بإذن من المؤلف، مثل حق الإتاحة للجمهور وحق توزيع المصنف...الخ من الحقوق المختلفة، لكن، هذا القانون لم يوضح متى يعد مشاركة المصنف مع الآخرين إتاحةً للجمهور ومتى لا يعد إتاحة؛ إذ ترك هذا الأمر لسلطة القاضي التقديرية، وهذا يعد منتقد في التشريعات الحديثة؛ لإن السلطة التقديرية للقضاء من الممكن أن تدين أحدهم وأن تبرأ آخر في حال اختلاف شخص القاضي، مما يجعل معيار التجريم والإدانة معيارًا شخصيًا لا موضوعيًا يخضع للنظر والرأي الذي يختلف من قاضٍ لآخر. ثم، هنالك إشكالية أخرى موجودة في هذا القانون تتعلق بإيقاع الجزاءات على كل من يشترك بهذه الجريمة، وهي أن المشرع لم يوضح ويفصل المسؤولية الجزائية التي تقع على الأشخاص المشتركين في نشر الكتاب، إذ نصت المادة (51/أ/1) من ذات القانون على أنه:" يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد على ستة آلاف دينار او باحدى هاتين العقوبتين: 1. كل من باشر بغير سند شرعي احد الحقوق المنصوص عليها في المواد ( 8،9،10،23) من هذا القانون.". وتعقيبًا على هذا النص، فإنه لا يفرق ما بين الشريك والمتدخل والمحرض والفاعل الأصلي فيما يخص هذه الجريمة المنصوص عليها في المادة 51، فهي تعطي ذات العقوبة لكل هؤلاء الأطراف، إذ يكفي (المباشرة) فقط؛ أي تكفي المحاولة، وهذا يرجعنا لمبدأ عدم التناسب بين جسامة الفعل وبين الجزاء، فلا يُعقَل أن الفاعل الأصلي عقوبته مثل عقوبة المحرض؛ فهنالك اختلاف في الأدوار وفي جسامة فعلهما تستحق وضع عقوبة مختلفة لكل منهما. مع العلم أن قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 يفرق بين الفاعل الأصلي والأدوار الأخرى، فكان يجدر إذًا على المشرع في قانون حماية حق المؤلف أن يفرق بين هذه الأدوار كما فرق بينها قانون العقوبات. إذًا، نتوصل لنتيجة بأن المشرع الأردني في قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة عليه أن يعالج هذه الإشكاليات الواردة تحقيقًا لمبادىء ضمانات المحاكمة العادلة وتطبيقًا للمبادىء العقابية الأساسية التي استقرت التشريعات الحديثة عليها .