إيران بين شبح الغزو وسيناريو التفكيك من الداخل #عاجل

كتب د. معن علي المقابلة - تُخيِّم ذكريات فيتنام والعراق وأفغانستان على العقل الاستراتيجي الأمريكي، وتُعيد إلى الواجهة شبح الحروب البرية بكل كلفتها البشرية والسياسية. لم تكن تلك التجارب مجرد إخفاقات عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى دروس قاسية أعادت صياغة نظرة واشنطن لأي تدخل عسكري مباشر واسع النطاق. لذلك يبدو الحديث عن حرب برية أمريكية في إيران أقرب إلى مغامرة غير محسوبة، لا سيما أن إيران دولة مترامية الأطراف، ذات كثافة سكانية كبيرة، وجيش عقائدي قد يكون مستعدًا لخوض حرب طويلة النفس. في ضوء ذلك، يبرز تصور بديل يقوم على إدارة الصراع من الداخل بدلًا من اقتحامه من الخارج. الفكرة، كما يروّج لها بعض المحللين، تقوم على تحريك التوترات القومية والمناطقية داخل إيران، عبر دفع بعض الأقليات إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة، بما يحوّل المشهد إلى صراع داخلي طويل الأمد. ووفق هذا السيناريو، يقتصر الدور الأمريكي على احتواء تداعيات الفوضى ومنع تمددها إلى خارج الحدود الإيرانية، خصوصًا نحو الخليج العربي، حيث تكمن المصالح الحيوية المرتبطة بأمن الطاقة وتدفق النفط إلى الأسواق العالمية. أنصار هذا الطرح يرون أن تحويل إيران إلى ساحة استنزاف داخلي قد يحقق هدف إضعافها دون كلفة الاحتلال المباشر. وهم يستشهدون بما آلت إليه الأوضاع في دول مثل السودان وليبيا واليمن حيث أدت الانقسامات الداخلية والصراعات الممتدة إلى إنهاك الدولة وتراجع دورها الإقليمي. غير أن هذا التصور يغفل جملة من الحقائق المعقدة. فإيران ليست دولة هشة بالمعنى التقليدي، بل تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وترسانة صاروخية معتبرة، ونفوذًا إقليميًا متشعبًا. كما أن تعداد سكانها الذي يقترب من مئة مليون نسمة، وتاريخها الإمبراطوري الطويل، يمنحانها مخزونًا رمزيًا وقوميًا قد يدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة في حال تعرضها لتهديد وجودي. ثم إن الرهان على تفكيك الدول عبر صراعات داخلية غالبًا ما يحمل تداعيات غير قابلة للسيطرة. فالحروب الأهلية لا تبقى محصورة داخل الحدود المرسومة على الخرائط، بل تتسرب آثارها عبر موجات لجوء، وشبكات سلاح، وامتدادات طائفية وسياسية عابرة للحدود. ومن الصعب افتراض أن منطقة بحساسية الخليج يمكن عزلها بالكامل عن ارتدادات صراع واسع داخل إيران. في المحصلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن بالفعل إعادة إنتاج سيناريو "الدولة الفاشلة” في حالة بحجم إيران، أم أن تماسك مؤسساتها وصلابة بنيتها القومية سيحولان دون ذلك؟ التجارب السابقة تشير إلى أن تفكيك الدول أسهل من إعادة تركيبها، وأن إشعال الحرائق الداخلية قد يخرج سريعًا عن سيطرة من أشعلها. لذلك، فإن أي رهان على فوضى محسوبة في إيران يبدو محفوفًا بمخاطر استراتيجية قد تتجاوز بكثير حدود الحسابات الأولية. Maen1964@gmail.com .