كتب: كمال ميرزا في المواجهات الكبرى، ورغم القتل والدمار والهلع، تشعر وكأنّ محلّلي الفضائيات تنتابهم رعشه سعادة وحبور خفيّة، كيف لا وهذا "موسم" بالنسبة لهم، وها هي وجوههم تملأ الشاشة وهم يحلّلون يوميّات الحرب ساعة بساعة، ولحظة بلحظة، ورصاصة برصاصة. وإذا أراد أحدهم التذاكي، أو الظهور بمظهر الذي يمتلك عقلية استراتيجيّة فذّة ورؤية استشرافيّة استثنائيّة، يشرع بالحديث عن "اليوم الثاني" للحرب، والذي يؤول دائماً للغرابة إلى انتصار أمريكيّ بطريقة من الطرق، وكأنّ هذا الكون قد خُلِقَ وصُمّم لتكون أمريكا منتصرة دائماً. ولكن في حدود اطّلاعي لا أحد من المحلّلين، على الأقل في هذه المرحلة، يتحدّث عن اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس للحرب! سؤال اليوم الثالث يتعلّق بما يسمّى "الناتو العربي": هل سيصبح هذا الحلف العربي/ السنّي/ الإسرائيليّ/ الأمريكيّ أمراً واقعاً بحكم أنّ "عرب الاعتدال" و"الصهاينة" قد أصبحوا بمثابة "أخوة دم" و"أخوة سلاح" بعد المواجهة مع إيران؟! سؤال اليوم الرابع يتعلّق بما يُسمّى "مجلس السلام": هل تمّ تأسيس هذا المجلس ليكون الرئيس الأمريكيّ بحكم المنصب على رأسه، أم أنّ "ترامب" سيبقى في هذا الموقع بعد انتهاء فترته الرئاسيّة؟! بمعنى هل أسس "ترامب" وعصابته هذا المجلس "البديل"، والذي يتّخذ نموذج الشركة (corporate)، ليكونوا هم "مجلس إدارته" وقادته التنفيذيّين حتى إشعار آخر؟! سؤالا اليوم الثالث والرابع هما مدخلان لسؤال اليوم الخامس المُتعلّق بـ "إسرائيل الكبرى": عندما يقول الكيان الصهيونيّ، سواء على لسان يمينه المتطرّف، أو على لسان الصهاينة الأمريكيّين الذين تغصّ بهم مختلف مفاصل الدولة الأمريكيّة، أنّ الكيان يسعى إلى تغيير شكل الشرق الأوسط وصولاً لتحقيق "وعد" إسرائيل الكبرى، وأنّ حقّ اليهود الدينيّ والتاريخيّ أن تكون لهم إسرائيلهم الكبرى.. فعلى حساب مَن سيكون تحقيق هذا الوعد؟! من وجهة نظر النظام العالميّ، ومن وجهة نظر "الجغرافيا السياسيّة" العالميّة، فإنّ النطاق الإقليميّ الذي يُفترَض أن تشمله هذه الإسرائيل الكبرى هو حالياً يتبع جيوبولوتيكيّاً للنفوذ الأمريكيّ ويسبح في فلك الهيمنة الأمريكيّة. بمعنى، أنّ قيام "إسرائيل الكبرى" سيكون فعليّاً على حساب النفوذ والهيمنة الأمريكيّين في المنطقة. بكلمات أخرى، حتى يتسنى قيام إسرائيل الكبرى، وحتى يتسنّى قيام الكيان ببسط نفوذه وهيمنته، هذا يستدعي فيما يستدعي كفّ يد أمريكا وانحسار نفوذها وهيمنتها! ألهذا السبب حرص الكيان الصهيونيّ على توريط أمريكا، وجرّها جرّاً إلى مواجهة مفتوحة مع إيران؟! ألهذا السبب يُقحم "ترامب" وعصابته أمريكا الدولة وأمريكا الشعب وأمريكا الجيش في حرب لا مصلحة واضحة ومباشرة لهم فيها، حرب كان بالإمكان تجنّبها بسهولة، حرب تهتزّ فيها هيبة أمريكا العسكريّة و"تتهزّأ"، وتُدَكّ فيها قواعدها في المنطقة وتُجرّف بالمعنى الحرفيّ للكلمة؟ هل استقرّ يقين زبانية النظام الرأسماليّ العالميّ، أو مَن يسميهم "شهيد بولسون" مراعاةً للدقّة "مالكو رأس المال النقديّ في العالم والمتحكّمون فيه"، والذين يمثّل "ترامب" وعصابته واجهةً لهم.. هل استقرّ يقين هؤلاء الطغمة أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة قد أصبحت عبئاً عليهم وعبئاً على نفسها، وما عادت تصلح على المدى المتوسط والبعيد أماناً وضماناً لمصالحهم، ولاستمراريّة وديمومة وفاعليّة النظام الرأسماليّ العالميّ. ما تُسمّى "إسرائيل" هي "كيان وظيفي" تمّ اختلاقه من أساطير وأكاذيب وتهويمات توراتيّة ليكون منذ اليوم الأول بمثابة خادم للمشروع الإمبرياليّ الرأسماليّ الغربيّ، وحارس لمصالحه، وقاعدة متقدّمة له في المنطقة، فما الذي يمنع تعديل هذا الدور وتوسيعه من أجل خدمة ذات المصالح في ضوء المتغيّرات والمستجدّات؟ وهل تكون التوليفة المكوّنة من "إسرائيل الكبرى" و"مجلس السلام" و"الناتو العربي" هي الصيغة الجديدة التي يتبناها النظام الرأسماليّ العالميّ لحماية مصالحه وإعادة إنتاج هيمنته في المنطقة، وذلك في ضوء انحسار النفوذ الأمريكيّ، وبدء تفكيك الإمبراطوريّة الأمريكيّة من الداخل قبل الخارج؟! وفي هذه الأثناء لا ضير من استخدام ما تبقّى من "فائض قوة" لدى أمريكا الدولة و"حلف الناتو" المتآكل من أجل استنزاف (وإذا أمكن تصفية) جميع القوى المناوئة أو المنافسة في المنطقة، أو "نهنهتها" كما يُقال في التعبير العاميّ الدارج، وبما يخلق بيئة أكثر مواءمةً وخصوبةً من أجل الصيغة/ التوليفة الصهيو-عربيّة الجديدة المُزمعة. هذا السيناريو حتى يكتمل، هناك قوتان إقليميّتان أخريان غير إيران لا بدّ من "نهنهتهما" هما أيضاً (بغض النظر عن مواقف وولاءات واصطفافات حكّامهما)، كيما تكونان ولو من قبيل الاحتمال والإمكانيّة عائقين أو عقبتين مستقبليّتين أمام الترتيبات الجديدة، سواء باستدراجهما وجرّهما للانخراط في المواجهة الحاليّة، أو افتعال مواجهة (أو فوضى) خاصّة بكلّ منهما: مصر وتركيا! .