لم تعد الحروب الحديثة تُدار أو تُقاس بالسلاح والعتاد وحده، بل بالروايات التي تُقنع بها العالم بما يجري.في الحروب التقليدية كانت المعارك تُحسم في الميدان، وتحركات الجيوش براً وجواً وبحراً، والحدود تتغير ونتائج المعركة تُعلن بعد أن يهدأ صوت المدافع. أما في حروب اليوم فلم تعد تُدار بالمنطق العسكري التقليدي ذاته؛ فإلى جانب الصواريخ والطائرات برز سلاح آخر لا يقل تأثيراً: سلاح «الرواية الإعلامية».إنها الحروب في عصر الإعلام الرقمي؛ فقد تخسر المعركة في الميدان وتربحها في الرواية، وقد تنتصر عسكرياً ولكنك تخسر العالم لأن روايتك كانت غير مقنعة. وفي عالم اليوم لا تُخاض المعارك لتغيير الجغرافيا العسكرية وحدها، بل هناك أيضاً ميدان الإعلام والاتصال حيث تتشكل الانطباعات الأولى وتُبنى المواقف السياسية ويتشكل الرأي العام العالمي.ومع التصعيد العسكري المتواصل الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في ضوء المواجهات الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية المتبادلة وتداعياتها على استقرار المنطقة، بدا واضحاً أن الصراع لا يدور في الميدان وحده، بل يمتد إلى ساحة أخرى أكثر اتساعاً وتأثيراً: ساحة الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.خلال أيام قليلة فقط تدفقت على الفضاء الرقمي آلاف الصور والمقاطع التي قيل إنها توثق الضربات العسكرية المتبادلة، لكن جزءاً كبيراً من تلك المواد تبيّن لاحقاً أنها قديمة أو في مواقع جغرافية أخرى شهدت صراعات سابقة. ومنها كذلك ما أُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فظهرت صور ومقاطع مولّدة رقمياً لمواقع أو أحداث غير حقيقية، كما جرى تداول مقاطع من ألعاب إلكترونية حربية بوصفها توثيقاً مباشراً للمعارك.هذه الظاهرة ليست تفصيلاً عابراً في مشهد الحرب، بل تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث أصبحت السرديات الإعلامية جزءاً أساسياً من إدارة الصراع في عالم تنتشر فيه الأخبار بسرعة الضوء، إذ قد تكفي صورة واحدة أو مقطع قصير لصناعة رأي عام عالمي خلال دقائق، وربما ثوانٍ، حتى قبل أن تتاح فرصة التحقق من دقته وتفنيده. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في زمن الإعلام الرقمي: الرواية قد تسبق الحقيقة.وتلعب الخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي دوراً مؤثراً في هذا المشهد؛ فهي التي تقرر إلى حد كبير ما يراه المستخدم وما ينتشر على نطاق واسع. ومع تطور أدوات تحليل البيانات تلجأ بعض الجهات إلى ما يعرف بـ«إدارة الإدراك»، أي التأثير المقصود في كيفية فهم الجمهور للأحداث من خلال توجيه الرسائل الإعلامية بطريقة مدروسة تُشكّل تصوراً معيناً للواقع.ولا تقتصر معركة الروايات على منصات التواصل الاجتماعي وحدها، إذ إن وسائل الإعلام الدولية تلعب دوراً محورياً في صياغة فهم العالم لما يجري؛ فاختيار المفردات، وزاوية التغطية، والإطار التحليلي الذي تُعرض من خلاله الأحداث كلها عوامل تؤثر في كيفية إدراك حقيقة الصراع. وفي كثير من الأحيان يتم تأطير العمليات العسكرية ضمن سياق الأمن الإقليمي أو الاستقرار الدولي، بينما تتراجع الأسئلة المرتبطة بشرعية الحرب وتداعياتها القانونية والإنسانية. فالإعلام في أوقات الحروب لا يكون مجرد ناقلٍ للأحداث، بل طرفاً مؤثراً في تشكيل صورة الصراع في الوعي. وفي أزمنة الحروب لا تنتشر الشائعات صدفة، بل كثيراً ما تكون جزءاً من معركة السرديات.وهنا تحضرني ذكرى لا تفارقني كلما اشتعلت المنطقة. في عام 2003، ومع بدء الغزو الأمريكي للعراق، كنت في حوار تلفزيوني مع الأستاذ قينان الغامدي - رئيس تحرير صحيفة الوطن آنذاك - فسألته: هل صدّق الشارع الأمريكي السردية التي بُنيت لتبرير الحرب؟ أجابني: نعم، لأن الإعلام الأمريكي كان صادقاً مع جمهوره في قضاياه الداخلية، فوثق به الناس حتى في روايات الحرب الخارجية. وبعد سنوات، حين تبيّن زيف تلك الادعاءات الأمريكية، رسخت في ذهني حقيقة واحدة: الرواية الإعلامية قادرة على تشكيل قناعات الشعوب، حتى في قرارات الحروب.وما يزيد المشهد خطورةً اليوم أن هذا الانجراف لا يقتصر على السرديات المعادية القادمة من خارج الحدود، فما استفزني للكتابة لم يكن سردية معادية، بل مذيع محترف على شاشة خليجية كبرى يستحث ضيوفه في الأيام الأولى من التصعيد بأسئلة تدور في فلك واحد: ماذا ننتظر؟ وأين الرد؟ فتساءلت: إذا تسلل الانجراف العاطفي إلى هذا المستوى من الاحترافية، فبأي حجم تعمل السرديات المعادية المصممة أصلاً لإشعال هذه النار؟ضمن هذا السياق تحديداً، تُقرأ بعض السرديات المتعلقة باستهداف دول الخليج في هذه المرحلة، فروايات إعلامية جرى تداولها - كثيرٌ منها ثبت لاحقاً أنه غير دقيق أو جرى نفيه رسمياً - حاولت تصوير التطورات الراهنة وكأنها مسار يقود حتماً إلى مواجهة أوسع بين إيران ودول الخليج. وهذا التأطير لا يعكس قراءة موضوعية للمشهد؛ فدول الخليج تمثل ركناً أساسياً في الاقتصاد العالمي، خصوصاً في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب أمني فيها قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة ليطال الاقتصاد العالمي بأسره، ما يعكس إدراكاً للثقل الاستراتيجي للمنطقة والاهتمام العالمي باستقرارها.كما أن دول الخليج تدرك جيداً خطورة الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، ولا تنطلي عليها محاولة تسويق سرديات تهدف إلى توسيع دائرة الصراع وإدخال أطراف جديدة فيه نشراً للفوضى وسعياً للضغط من أجل التعجيل بحلول دولية، لذلك تميل مقارباتها إلى إبعاد الخطر والحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية أمنها وسيادتها ومصالحها الاستراتيجية والاستعداد لأي تطور في مسار الأحداث. وبرزت سردية خليجية واضحة تقوم على التأكيد أن الهجمات الإيرانية طالت مواقع مدنية ومنشآت حيوية، في حين أن دول الخليج لم تسمح باستخدام أراضيها لأي عمليات هجومية، بل سعت دبلوماسياً إلى منع الوصول إلى هذا المآل.وبين سردية دول الخليج وسردية إيران وتوابعها بون شاسع كما هو الحال بين واقع الجانبين، فالنموذج الخليجي يُصدّر للعالم الاستثمار والبنية والفرص ويبني مدناً ذكية ويفتح أسواقه للشراكة، والمعركة الحقيقية لدول الخليج هي معركة التنمية والاستقرار وبناء المستقبل، وهي الرؤية التي عبّر عنها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين تحدث عن شرق أوسط جديد يشبه أوروبا في ازدهاره وتكامله الاقتصادي.أما النموذج الإيراني فأثبت على مدى عقود أنه لا يُجيد تصدير سوى الوكالات المسلحة وزعزعة الاستقرار. بين من يبني ومن يهدم، يبقى السؤال مشروعاً: أيّ النموذجين أجدر بالمستقبل؟غير أن ثمة أملاً لا ينبغي إغفاله؛ فإذا كان الخليج يُصدّر للعالم نموذج التنمية والانفتاح، فالمأمول أن تدرك إيران في نهاية المطاف أن تصدير الأيديولوجيا بالنار والوكالات المسلحة لم يجلب لشعبها سوى العزلة والإنهاك. وربما كانت آلام هذه المرحلة بذرة مراجعة حقيقية؛ ولعل في نهاية هذه الحرب - التي نتمنى ألا يطول أمدها - فرصةً لإيران أن تضع يدها في يد المجتمع الدولي، وأن تختار مستقبلاً تبنيه على التعاون بدلاً من ماضٍ شيّدته على التدمير، فالمنطقة تتسع للجميع، لكنها لن تتحمل إلى الأبد من يُصرّ على إشعالها.ومما لا شكّ فيه أن الحروب في عصرنا لم تعد تُدار في الميدان وحده؛ فهناك معركة موازية تدور في الإعلام والفضاء الرقمي، حيث تتنافس الروايات على تشكيل وعي الجمهور العالمي. وفي مثل هذه اللحظات تكون الحقيقة غالباً أول ضحايا الحرب. أما الوعي، فيبقى السلاح الأهم القادر على التمييز بين الخبر والرواية.. وبين الحقيقة والزيف. وهذا بالضبط ما تسعى دول الخليج إلى تجسيده: ألا تكون ضحية سردية مصنوعة، بل شريكة في قرار تبنّته بوعي وإرادة.