* حين يتعلق الأمر بحقوق الأردنيين التقاعدية، لا يجوز أن تُحسم القرارات المصيرية خلال ثوانٍ. كتب النائب معتز أبو رمان * لم تحتج الحكومة سوى 13 ثانية فقط لتحديد مصير مشروع القانون المعدل للضمان الاجتماعي، بعد تصويت خاطف يفوق سرعة البرق، لينتقل من حضن الحكومة إلى خاصرة النواب، وتحديدًا إلى لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية. غير أن هذا القانون، الذي يمس كل بيت أردني، لن يمر كما تشتهي الحكومة؛ فقد تضمنت تعديلاته رفع سن تقاعد الشيخوخة إلى 65 عامًا، وتشديد شروط التقاعد المبكر إلى 360 اشتراكًا، ورفع نسب الخصم إلى 4٪، بل وتطبيق أحكامه بأثر رجعي. وهي تعديلات تمس جوهر العدالة التأمينية، وتنتقص من المشروعية المهنية، كما تُخل بالمراكز القانونية المستقرة للمؤمن عليهم، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذه التعديلات مع مبادئ العدالة والإنصاف التي يفترض أن يقوم عليها نظام الضمان الاجتماعي. وتبرر الحكومة هذه التعديلات بما تسميه الدراسة الاكتوارية، رغم أنها استندت إلى فرضيات بعيدة عن الواقع؛ إذ افترضت معدل عائد استثماري 4.7٪ على أموال صندوق الضمان التي تتجاوز اليوم 18.6 مليار دينار، في حين تشير المؤشرات الفعلية إلى عائد لا يقل عن 5.8٪ وهو مرشح للارتفاع في السنوات القادمة. كما افترضت الدراسة تباطؤ نمو قاعدة المشتركين، في تناقض واضح مع رؤية التحديث الاقتصادي التي أعلنت عنها الحكومة، والتي تستهدف توفير مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر القادمة، ما يعني ارتفاع عدد المشتركين من 1.6 مليون إلى نحو 2.6 مليون في سوق العمل، وهو ما لم تستند إليه الدراسة أو تعكسه فرضياتها بأي شكل. ومن هنا أؤكد أن لنا كلمة واضحة تحت القبة برفض أي تعديلات تمس حقوق الأردنيين التقاعدية، مع تقديم حلول إصلاحية حقيقية تعزز كفاءة الاستثمار دون المساس بحقوق المؤمن عليهم أو تحميل المواطنين أعباء إضافية في سنوات الاشتراك. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من حوكمة إدارة الضمان وترسيخ استقلاليته الفعلية لا الشكلية، وقف الاقتراض الحكومي فورا من اموال الصندوق وتخفيض نسبة التركز في سندات الخزينة من 56٪ إلى 50٪ وبما لا يتجاوز 10 مليارات دينار، وتوجيه استثمارات الضمان نحو المشاريع السيادية والاستراتيجية التي تعزز النمو الاقتصادي وتخلق فرص العمل. كما نرى ضرورة استحداث نص قانوني يخصص 25٪ من الأرباح الاستثمارية لصالح المتقاعدين باعتبارهم شركاء النجاح الحقيقيين في بناء هذا الصندوق، إلى جانب ضبط السقوف العليا للرواتب التقاعدية بما يحقق العدالة والتكافل الاجتماعي، وربط الحدود الدنيا للرواتب التقاعدية بمعدلات التضخم السنوية والحد الأدنى للأجور. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي، بل عقد ثقة بين الدولة والمواطن، وأي تعديل عليه يجب أن يعزز هذه الثقة لا أن يهزّها. فأموال الضمان هي أموال الأردنيين وشقى شبابهم، وإصلاحه يجب أن يكون لصالحهم لا على حساب حقوقهم. * الكاتب رئيس لجنة العمل والتنمية الاجتماعية النيابية الأسبق، وأمين عام حزب العمل .