العدوان الإيراني الآثم لن يغير معادلات الاستقرار

في لحظات التوتر الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحجمها الظاهر فقط، بل بما تكشفه من موازين القوى وما ترسمه من خرائط جديدة للأمن. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة المشاورات الاستثنائية التي عقدتها مملكة البحرين في الخامس من مارس 2026 مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، بموجب المادة الثانية من اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل (C-SIPA)؛ فهذه المشاورات لم تكن مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل خطوة مدروسة في سياق مواجهة العدوان الإيراني الآثم الذي حاول النيل من أمن البحرين واستقرار المنطقة. وفي العادة، تُفعل مثل هذه المواد بالاتفاقيات الأمنية عندما تشعر الدول الأطراف بأن هناك تهديدا مباشرا يستدعي تنسيقا عاجلا في تقدير الموقف. ولهذا فإن انعقاد هذه المشاورات الاستثنائية بين مستشار الأمن الوطني الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، ورئيس أركان الدفاع في المملكة المتحدة الفريق أول جوي السير ريتشارد نايتون، يحمل دلالة ومضمونا استراتيجيا واضحا وهو أن أمن البحرين جزء من منظومة الردع الدولية في الخليج. لقد حاول العدوان الإيراني، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، أن يفرض واقعا جديدا يقوم على إرباك الدول المستهدفة وإضعاف ثقة المجتمعات بقدراتها الدفاعية، غير أن ما حدث على الأرض جاء معاكسا لهذه الحسابات؛ فقد أظهرت البحرين قدرة واضحة على إدارة الأزمة بثبات، سواء عبر منظوماتها الدفاعية أو من خلال تفعيل شبكة تحالفاتها الاستراتيجية. وهنا تظهر أهمية اتفاقية “C-SIPA” التي تمثل إطارا متقدما للتعاون الأمني والاقتصادي بين البحرين والولايات المتحدة؛ إذ تتيح آليات تنسيق سريعة في مواجهة التحديات الإقليمية. والواقع أن البحرين، منذ عقود، تشغل موقعا محوريّا في معادلة الأمن الخليجي؛ فهي نقطة ارتكاز في منظومة الاستقرار البحري والعسكري في المنطقة. وعندما تُستدعى هذه الشبكة من العلاقات في لحظة أزمة، فإن الرسالة تصبح واضحة وهي أن أمن البحرين ليس معزولا عن أمن النظام الإقليمي بأكمله. ما جرى في تلك المشاورات الاستثنائية يؤكد أيضا أن مفهوم الردع في الخليج لم يعد يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على تداخل المصالح والتحالفات؛ فحين يجتمع القادة العسكريون من البحرين والولايات المتحدة وبريطانيا لتقييم المشهد الأمني الراهن، فإنهم في الحقيقة يعيدون رسم حدود الرسالة الموجهة إلى من يعتقد أن بإمكانه زعزعة الاستقرار عبر أدوات الحرب غير المتكافئة. ولعل أهم ما تكشفه هذه المشاورات هو أن البحرين لم تتعامل مع العدوان الإيراني بوصفه أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لصلابة منظومة الأمن الإقليمي. ولهذا جاء التأكيد المشترك من الشركاء على مواصلة العمل الجماعي لمواجهة أي عدوان خارجي يهدد سيادة الدول الأعضاء وسلامة أراضيها. المشاورات الاستثنائية التي عقدتها البحرين مع شريكيها الكبيرين إعلان حاسم بأن أمن الخليج ليس ساحة مفتوحة للمغامرات، وأن العدوان الإيراني الآثم لن يغيّر معادلات الاستقرار التي قامت عليها المنطقة، بل سيعزز تماسكها.