الأكراد في لعبة الأمم: من أوراق الضغط الجيوسياسية إلى مصير الحرق بعد انتهاء المهمة .. #عاجل

كتب د. عبدالله حسين العزام مع احتدام الصراع العسكري والسياسي بين المشروع الإيراني والمشروع الإسرائيلي–الأمريكي الذي يشهده الشرق الأوسط، تعود "الورقة الكردية” إلى الواجهة مرة أخرى، ليس بوصفها قضية قومية تسعى إلى تحقيق تقرير المصير فحسب، بل باعتبارها أداة جيوسياسية تُستحضر ضمن صراعات القوى الإقليمية والدولية. ومع تصاعد التوتر بين إيران ودولة الإحتلال الإسرائيلي والغرب ومحاولات فتح جبهات ضغط متعددة على طهران، برز الحديث مجدداً عن تحريك الفصائل الكردية المتمركزة على الحدود العراقية الإيرانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إرباك الداخل الإيراني واستنزاف قدراته العسكرية والأمنية. تشير تقارير إعلامية إلى أن بعض الفصائل الكردية الإيرانية المتمركزة في شمال العراق تنظر إلى اللحظة الإقليمية الراهنة بوصفها فرصة لإحياء طموحات الحكم الذاتي داخل إيران، مستلهمة نموذج إقليم كردستان العراق. ويأتي ذلك في سياق حديث متزايد عن إمكانية حصول هذه الجماعات على دعم سياسي أو عسكري من أطراف دولية تسعى إلى توسيع دائرة الضغط على طهران عبر جبهات داخلية. غير أن قراءة هذا المشهد من منظور الواقعية السياسية في العلاقات الدولية تكشف أن المسألة لا ترتبط فقط بطموحات قومية كردية، بل بكون هذه الجماعات تمثل أداة ضمن معادلات توازن القوى. ففي سياق الصراعات الكبرى، كثيراً ما تلجأ القوى الدولية إلى توظيف الحركات المحلية أو الإثنية لصناعة بؤر توتر داخل الدول المنافسة أو المعادية لها، بما يسهم في تشتيت قدراتها وإرباك مراكز القرار فيها. لكن التجارب التاريخية في الشرق الأوسط تشير إلى أن هذه الورقة غالباً ما تكون مؤقتة، وتخضع لمعادلة المصالح المتغيرة. فالتحالفات في السياسة الدولية لا تقوم على الاعتبارات الأخلاقية أو الأيديولوجية بقدر ما تستند إلى حسابات القوة والمصلحة. وعندما تنتهي الحاجة إلى الأداة، تصبح قابلة للتخلي أو الحرق ضمن ترتيبات إقليمية جديدة. ولعل التجربة الكردية في سوريا مؤخراً تقدم مثالاً واضحاً على هذه القاعدة. فقد لعبت قوات سوريا الديمقراطية دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم داعش، بدعم عسكري وسياسي مباشر من الولايات المتحدة. غير أن هذا الدعم لم يكن تعبيراً عن التزام استراتيجي طويل الأمد بقدر ما كان جزءاً من مرحلة تكتيكية مرتبطة بالحرب على التنظيم. ومع تغير أولويات القوى الدولية والإقليمية، وجدت تلك القوات نفسها أمام واقع جيوسياسي معقد، حيث تحولت مناطق نفوذها إلى ساحة مساومات بين الحكومة السورية والقوى الكبرى والإقليمية. إن هذا النمط من الاستخدام السياسي للحركات المحلية ليس جديداً في تاريخ الشرق الأوسط. فالقوى الكبرى كثيراً ما اعتمدت على توظيف الأقليات أو الحركات المسلحة لتحقيق أهداف تكتيكية، مثل إضعاف الخصوم ضمن الجغرافيا السياسية للدولة أو فتح جبهات داخلية في الدول المستهدفة. لكن المشكلة تكمن في أن هذه القوى نادراً ما تقدم ضمانات دائمة لتلك الجماعات، لأن استمرار الدعم يبقى مرهوناً بمدى توافقه مع المصالح الاستراتيجية المتغيرة. وفي الحالة الكردية تحديداً، تتكرر هذه المعادلة منذ عقود. فالأكراد موزعون جغرافياً بين عدة دول إقليمية، ما يجعل قضيتهم عرضة للتوظيف السياسي في صراعات تلك الدول. وبينما تُستخدم مطالبهم القومية أحياناً كورقة ضغط على الحكومات المركزية، فإن هذه المطالب نفسها تتحول في لحظة أخرى إلى عبء سياسي عندما تتعارض مع التوازنات الإقليمية الأوسع. وفي السياق العربي تحديداً، لا تحظى فكرة إقامة دولة كردية مستقلة بقبول سياسي واسع، وذلك لأسباب واقعية تتعلق ببنية النظام الإقليمي ومصالح الدول. فإقامة دولة كردية جديدة تعني عملياً إعادة رسم الحدود التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، وهو أمر تخشاه العديد من الدول العربية لما قد يفتحه من باب لمطالب انفصالية أخرى في المنطقة. كما أن قيام مثل هذه الدولة غالباً ما يُنظر إليه في بعض الأوساط السياسية العربية بوصفه جزءاً من مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس إثنية وطائفية، بما يؤدي إلى إضعاف الدول الوطنية القائمة وتفكيكها. يضاف إلى ذلك أن العديد من النخب السياسية العربية تنظر بقلق إلى العلاقات التي نسجتها بعض القوى الكردية مع دولة الإحتلال الإسرائيلي أو مع قوى دولية تعمل في المنطقة، وهو ما يعزز الشكوك حول إمكانية توظيف الكيان الكردي – إن نشأ – ضمن ترتيبات جيوسياسية قد لا تنسجم مع المصالح العربية أو مع استقرار الإقليم. كما أن قيام دولة كردية قد يؤدي إلى توترات إقليمية واسعة مع دول مثل تركيا وإيران والعراق وسوريا، وهو ما قد يفتح باباً لصراعات طويلة الأمد تزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. من هنا، فإن ما يحدث اليوم على الحدود الإيرانية العراقية قد يكون مجرد فصل جديد من فصول هذه اللعبة الجيوسياسية المعقدة. فالدعم الذي قد تحصل عليه بعض الفصائل الكردية في مرحلة معينة قد يتراجع بسرعة عندما تتغير الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وفي تلك اللحظة، تصبح الجماعات التي استُخدمت كأدوات ضغط مجرد أوراق قابلة للحرق في لعبة الأمم. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المعضلة الكردية في الشرق الأوسط لا تكمن فقط في غياب الدولة القومية، بل في تحول القضية الكردية إلى جزء من بنية الصراع الإقليمي والدولي. فهي تُستدعى كلما احتاجت القوى الكبرى إلى ورقة ضغط إضافية، ثم تُهمَّش عندما تتغير موازين القوة. وبين الاستخدام والتخلي، تبقى هذه الجماعات عالقة في دائرة من الوعود السياسية غير المكتملة والتحالفات المؤقتة التي تنتهي غالباً بانتهاء الغاية التي من أجلها تم استدعاؤها. .