شفق نيوز- أربيل/ بغداد مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يومها الثامن، لم يعد إقليم كوردستان العراق مجرد مراقب للمشهد، بل تحول قسراً إلى "صندوق بريد" دام للرسائل الصاروخية، وسط محاولات مستميتة من قيادته السياسية للنأي بالنفس عن صراع تتجاوز أبعاده إمكانات المنطقة وقدرتها على الاحتمال. هذا الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تقوده أربيل، والمدعوم بمواقف دولية مشيدة، يصطدم بواقع ميداني متفجر؛ فبينما تؤكد القيادة الكوردية أن أراضيها لن تكون "منطلقاً للعدوان"، تتساقط المسيرات المفخخة فوق الفنادق المدنية والمجمعات النفطية. ويطرح هذا المشهد تساؤلات جوهرية حول قدرة "مبدأ الحياد" على الصمود أمام استراتيجية "الحزام الناري" والضغوط الأميركية المتزايدة لفتح ثغرة في شمال غرب إيران. مبدأ الحياد وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي محمد زنكنة، أن القيادة السياسية والحكومة في إقليم كوردستان لن تسمحا أبداً بتحويل الإقليم إلى ساحة للصراعات، مشدداً على أن "الإقليم لا يرجح كفة على أخرى ولا يقف مع جهة ضد أخرى، ويرفض التمحور ضمن أي جبهة". ويضع زنكنة، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، مقارنة حادة بين موقف أربيل وبغداد، معتبراً أن "الحكومة الاتحادية ربما تعاونت في جعل العراق ساحة للصراعات بالتساهل مع الميليشيات والسماح لها بالتمادي، لكن في إقليم كوردستان هذا الشيء غير وارد". ويرى أن التواصل الدبلوماسي مع العالم وإيران يثبت جدية الإقليم، مستدركاً: "الجانب الإيراني هو المتعنت؛ وبسبب عجزه عن الرد المباشر على أميركا، يحاول استعراض شجاعته ضد الإقليم، وهو ما تجسد في القصف الصاروخي المتكرر حتى في أوقات السلم". هذا "التعنت" الإيراني تُرجم ميدانياً، أمس الجمعة 7 آذار/ مارس 2026، بإعلان الحرس الثوري تنفيذ هجمات بالمسيرات على ما وصفتها بالمجموعات الانفصالية في أربيل، فيما سبق ذلك قصف "خاتم الأنبياء" لمقرات المعارضة بالسليمانية، في رد فعل استباقي على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وصف هجوم الكورد البري المحتمل على إيران بـ "الأمر الرائع". الأجندات الإقليمية من جانبه، يصف الباحث في الشأن السياسي ياسين عزيز، الموقف الكوردي الحالي بـ"العقلاني والحكيم"، مؤكداً أن "القيادة ترفض توريط الإقليم ككيان إداري وسكاني في مغامرة قد يدفع ثمنها غالياً وسط واقع مجهول ينتظر المنطقة". ويوضح عزيز لوكالة شفق نيوز، أن "مبدأ الحياد هو سيد الموقف حالياً"، لكنه يشير إلى نقطة تؤرق صناع القرار في أربيل وهي "تدخل الفصائل العراقية المسلحة الخارجة عن القانون التي تنفذ أجندات إقليمية في ظل ضعف الحكومة الاتحادية". ويحذر عزيز من أن استمرار بغداد في لعب "دور المتفرج" أمام الهجمات التي تطال الإقليم، والتي لم تعد تفرق بين قاعدة عسكرية ومنشأة مدنية أو حتى حقل نفطي، كما حدث في حقل HKN بمحافظة دهوك، سيجبر القيادة الكوردية على "التحرك الذاتي لحفظ أمن واستقرار الإقليم". وتأتي هذه التحذيرات في وقت كشفت فيه تقارير استخباراتية عن ضغوط أميركية (برنامج الـ CIA السري) لدفع مقاتلين معارضين للعبور نحو إيران، وهو ما نفته حكومة الإقليم "جملة وتفصيلاً" على لسان المتحدث باسمها بيشوا هوراماني، معتبرة إياها أخباراً مغرضة تهدف لتوسيع رقعة الحرب. الفيصل الأخير وفي القراءة الأمنية للمشهد، يرى الخبير الأمني علي المعماري، أن إقليم كوردستان يعيش "وضعاً حرجاً للغاية"، مما يتطلب إجراءات استثنائية لمنع انزلاقه كطرف غير مباشر في الحرب. ويقترح المعماري، عبر وكالة شفق نيوز، ضرورة "التنسيق الكامل مع الحكومة الاتحادية وقواتها لضبط الحدود العراقية الإيرانية بشكل مشترك". ويرى أن هذا التعاون "سيعطي نوعاً من المصداقية ويقطع الطريق أمام ذرائع الفصائل وإيران"، خاتماً رؤيته بأن "التنسيق الحقيقي هو الفيصل الوحيد الذي سيبعد الإقليم عن شرارة التوترات المتصاعدة في المنطقة"، مع دخول الحرب أسبوعها الثاني تحت مسمى "ملحمة الغضب". الحوار هو الحل من جهته، يؤكد رئيس حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، بافل طالباني، على ضرورة اللجوء إلى طاولة الحوار لحل الخلافات والمشاكل في المنطقة، مشدداً على أن إقليم كوردستان لن يصبح منطقة للقتال. ويقول طالباني في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، نشرت اليوم السبت، إن "الاتحاد الوطني الكوردستاني يريد أن يكون جسراً لاستئناف الحوارات وحل المشاكل بالتفاهم، هذا الدور الذي كان فقيد الأمة الرئيس مام جلال يلعبه". ويضيف أن "ما يقلقني هي الأزمات الإنسانية، لأن المواطنين في الشرق الأوسط شهدوا الكثير من الصراعات والآن جاء وقت الاستقرار والسلام الدائم". وينبه طالباني، حول الاتصال الهاتفي مع الرئيس الأميريكي دونالد ترمب، إلى أن "الاتصال الهاتفي كان رائعاً حيث وصف الرئيس ترمب الكورد بالمقاتلين الأشداء، وقدم شكره للكورد على عملهم خلال السنوات الماضية مع القوات الخاصة الأميركية". ويوضح أن "ما فهمته من كلام الرئيس ترمب هو أن حماية المواطنين في العراق من أولويات عمله"، مؤكداً: "الكورد في إيران يستحقون معاملة أفضل، وخلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بيني وبين وزير الخارجية الإيراني أوضح لي بأنهم كانوا يريدون حل المشاكل بالحوار والتفاهم". من الجدير بالذكر أن محافظة أربيل، شهدت مساء أمس الجمعة، تعرض فندق لاستهداف بطائرة مسيّرة، وذلك بعد ساعات من تحذير أميركي من استهداف الفنادق في إقليم كوردستان. وبحسب المعلومات التي تحصلت عليها وكالة شفق نيوز، فإن الفندق المستهدف هو (أرجان روتانا) ويقع على شارع 100 وسط مدينة أربيل عاصمة إقليم كوردستان"، ولم ترد على الفور تقارير عن وجود خسائر بشرية وحجم الأضرار المادية التي لحقت بالفندق جراء هذا الاستهداف. وجاء الهجوم بعد ساعة فقط من تحذير السفارة الأميركية في بغداد، مواطنيها المتواجدين في إقليم كوردستان، من استهداف الفنادق التي يقطنون فيها بمناطق الإقليم، في حين وضعت لهم مجموعة إجراءات احترازية، وخيارات لمغادرة العراق. ومنذ 28 شباط/ فبراير الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، أودت بحياة مئات الأشخاص، على رأسهم المرشد علي خامنئي وعدد من المسؤولين الأمنيين. وترد إيران بشن هجمات على إسرائيل وعلى ما تصفها بأنها "مصالح أميركية" في دول عربية، خلفت قتلى وجرحى وألحقت أضراراً بمرافق مدنية، بينها موانئ ومبان سكنية.