على أعتاب قرارات صعبة في إيران

يحيى بستان - صحيفة يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس هل كان هدف تلك الصاروخ هو تركيا أم دولة أخرى؟ ومن الذي ضغط على الزناد؟ وما الهدف؟ كانت هذه أول الأسئلة التي خطرت في ذهني عندما تلقيت خبر إسقاط صاروخ في الأجواء التركية. وبطبيعة الحال بحثت عن إجاباتها. وكالة فرانس برس أفادت بأن المسار لم يكن متجهًا نحو تركيا. وهناك من قال إن الصاروخ كان متجهًا إلى قاعدة أمريكية في جزيرة كريت. لكنني لم أتمكن من التحقق من هذه الادعاءات من مصادر موثوقة. ما رأيته هو أن الصاروخ أُطلق من شرق طهران. مصدر الإطلاق هو إيران. وبعد أن دخل أولًا إلى شمال العراق ثم إلى شمال سوريا، رصدت الرادارات في قاعدة “كورجيك” أنه كان يتجه نحو المجال الجوي التركي. واعترضته سفينة تابعة للناتو متمركزة في شرق المتوسط وهو قادم بسرعة 9 ماخ. هل ضغطت إيران على الزناد عمدًا؟ اتصل وزير الخارجية هاكان فيدان بنظيره الإيراني عراقجي عقب الحادث. ونقل رد فعل تركيا. وبعد هذا الاتصال استُدعي السفير الإيراني إلى وزارة الخارجية للتحذير، وهو ما جعلني أعتقد أن إطلاق الصاروخ كان متعمدًا. وبعد كل ذلك، جاء تصريح الرئيس الإيراني بزشكيان الذي وجه رسالة إلى دول المنطقة قائلاً: “نحترم سيادتكم”، وهو على الأرجح مرتبط بهذا السياق. أما بيان إيران الذي قال إن “الصاروخ لم يُطلق على أراضي تركيا وإننا نحترم سيادتها” فقد قرأته كرسالة تعني أنه لن يتكرر. تدعي إيران أنها كانت تستهدف عناصر أمريكية داخل دول المنطقة وليس الدول نفسها. وهذا من حيث المنطق الداخلي يملك قدرًا من التماسك، لكن النتائج على أرض الواقع لا تبدو كذلك. أكبر خطأ ارتكبته إيران في هذه العملية هو نقل المفاوضات التي كان من المقرر عقدها في إسطنبول إلى عُمان، مستبعدة دول المنطقة. والآن ترتكب الخطأ الكبير الثاني، إذ تستهدف خصوصًا دول الخليج، ما يدفعها إلى الاصطفاف إلى جانب إسرائيل (وكان آخر تحرك في أذربيجان). إسرائيل فتحت ورقة كبيرة بشكل عام يتم الحديث عن مسار الحرب وما إذا كانت إيران قادرة على الصمود، لكنني مهتم أكثر بتصميم ما بعد الحرب. إسرائيل تسعى منذ السابع من أكتوبر إلى بناء هيمنة إقليمية. وخلال العامين والنصف الماضيين حققت بعض المكاسب، ثم استعادت دول المنطقة بعضها بالتدخل. إنها عملية صعود وهبوط. أرادت تحقيق أكبر مكاسبها في سوريا، لكن لم يكن لها حضور فعلي على الأرض. فقد استهدفت إيران القوى الوكيلة، وملأت تركيا ذلك الفراغ. والآن فتحت إسرائيل ورقة كبيرة عبر إقناع الولايات المتحدة بالهجوم على إيران. وهي تضغط على كل الجبهات: تهدف إلى إنهاء ما بدأته في لبنان، وتوسيع نفوذها في سوريا. وكما ذكرت سابقًا، فهي ستسعى لإخراج السعودية من “التنسيق الإقليمي” من أجل إضعاف الجبهة المقابلة لها. تصريح نتنياهو بأن “السلام مع السعودية ممكن” يحمل هذا المقصد. ضمانات أمنية للأقليات تملك إسرائيل توقعات كبيرة في إيران (أما أهداف الولايات المتحدة فهي متقلبة). من هذه التوقعات: تغيير النظام، تقسيم إيران، ومنح “ضمانات أمنية” للأقليات. وبهذا تريد أن تصبح القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة. وفي الوقت نفسه تهدف إلى إضعاف تركيا. وقد قرأ وزير دفاع باكستان عاصف الأمر بشكل صحيح حين قال إن “إسرائيل تريد توسيع نفوذها حتى حدود باكستان”. أي أن للمسألة أيضًا بُعدًا يتعلق بالهند وتحالفات المثلث الاستراتيجي. وكان الحديث يدور عن أن إسرائيل تسلح الجماعات الانفصالية (من أجل تقسيم إيران). وقد أشرت إلى زيارة المبعوث الأمريكي باراك إلى شمال العراق وقلت إنه “قدم مطالب للجماعات الانفصالية”. وفي اليوم نفسه تبين أن الرئيس الأمريكي ترامب أجرى اتصالًا هاتفيًا مع بارزاني وطالباني (بل وحتى مع مصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني). ورغم أن القيادات في شمال العراق نفت الأخبار التي نشرتها مصادر إسرائيلية عن بدء هجمات من قبل مجموعات كردية إيرانية على الحدود، فلا ضمانة بأن ذلك لن يحدث في الأيام المقبلة. إذا لم نستطع إيقاف الحرب، فعلينا التأثير على نتائجها تقول مصادر معلوماتي إن احتمالية رفع راية التمرد من قبل القوى الانفصالية في إيران ضعيفة. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان استخدام الأكراد الإيرانيين المعارضين في شمال العراق (وليس البارزانيين أو الطالبانيين) كـ“قوة برية” (أداة ضغط). لكنهما ينتظران أولًا إضعاف الحرس الثوري. وفي الوقت الحالي يشنان هجمات تهدف إلى إضعافه. ولهذا تأخذ إيران الأمر على محمل الجد. فقد تحدث عراقجي مع طالباني هاتفيًا بشأن “أمن الحدود”. كما استهدف الحرس الثوري معسكرات هذه التنظيمات في شمال العراق. إن تقسيم إيران ستكون له نتائج دراماتيكية على تركيا. فالتفوق الاستراتيجي الذي حققناه في سوريا سيتعرض للخطر. وستصبح إسرائيل جارة لنا. وسيضر ذلك دول الخليج وباكستان وتركيا على حد سواء. إذن ماذا يجب أن نفعل؟ على إيران أن تتوقف عن استهداف دول الخليج، وأن تبحث عن طرق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. وعلى دول الخليج أن تدرك (وهي تدرك) أن الخطر القادم –وأسطورة “الأراضي الموعودة”– سيستهدفها أيضًا. ومن منظور تركيا… إذا لم نستطع إيقاف الحرب، أتوقع أن نتخذ خطوات للتأثير على نتائجها. مثل الصيغ التي جعلت ترامب يبتعد عن الهيمنة الإسرائيلية في غزة… ومنع ظهور إدارة موالية لإسرائيل في إيران… وتحويل التصميم المستقبلي عبر تنسيق إقليمي يخدم دول المنطقة… نعم، إيران ليست سوريا. لكن إذا تجاوز الأمر تغيير النظام ووصل إلى صراع داخلي وانقسام، فيجب أن يكون كل خيار مطروحًا. وهذا يشمل دعم وحدة أراضي إيران بالتعاون مع باكستان.