ماذا لو لم تتمكن أمريكا من الانتصار؟

ندرت أرسنال - صحيفة يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس إن مبدأ عدم دخول حروب مفتوحة وقابلة للتوسع وتشكل مخاطر كبيرة ومكلفة، الذي تتبناه أمريكا ترامب، بات على وشك أن يُلقى في سلة المهملات مع حرب إيران. وإضافة إلى ذلك، وبما أنه لا يتضح ما هو الهدف، وبما أن سبب القيام بذلك يبقى غامضًا، فإن الجميع يضطر إلى تقديم تفسيرات نمطية غير مُرضية… قد تكون هناك بعض عناصر الصحة في هذه التفسيرات. فمثلاً “النفط/الغاز” هو سبب محتمل، ويمكن تتبع آثار ذلك بسهولة في السياسة الخارجية لترامب. انظروا فنزويلا. لكنه تفسير تقليدي. لا يفي بالغرض على النحو المطلوب. فإذا كان الأمر متعلقًا بالطاقة، فيجب إضافة ما يلي؛ ليس فقط السيطرة على النفط، بل الأهم هذه المرة هو منع ذهابه إلى الآخرين… لقد ظللنا نؤكد أن السياق الجيوسياسي/الاستراتيجي هو العنوان الرئيسي والعلوي للموضوع، والآن حتى هذا العنوان يواجه حقيقة تحوله إلى شيء جديد، أو وفقًا للبعض إلى خطر جديد… لقد وصل الأمر إلى حد أن عدم فوز أمريكا في حرب إيران –والأدق القول: عدم قدرتها على الفوز– قد يقود من عتبة الانتقال إلى النظام العالمي الجديد، ومن حالة التعليق، إلى قفزة مفاجئة نحو مرحلة التطور. وسيُصاب مسعى الولايات المتحدة للتموضع في عالم “متعدد الأقطاب” بجروح بالغة… وسيتيح ذلك أولاً أن تخرج الضغوط السياسية والاقتصادية داخل أمريكا إلى السطح بصخب كبير عبر الشقوق. وسيكون لذلك أيضًا مخرجات إقليمية ودولية منفصلة. بالنسبة للجميع تقريبًا… لهذا السبب، فإن حصر الهدف الرئيسي للولايات المتحدة من الحرب على إيران في الاستيلاء على موارد طهران النفطية يُعد قراءة سطحية، ولجوءًا إلى تقييم خالٍ من المخاطرة، نابعًا من العجز… وانطلاقًا من المثال نفسه، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالحصول على القدرة على إدارة الموارد النفطية الإيرانية، بل بدمج المنطقة كلها في نظام “الطاقة والبترودولار” ضمن نظام يشبه “باكس-ترامبا”، ومنع وصول هذه الموارد إلى دول مثل الصين وروسيا، وتحويل العوائد التي ستنشأ إلى معالجة الأزمات الداخلية الأمريكية التي تكاد تنفجر… فالمسألة ليست تحقيق الربح من النفط. بل هي محاولة لتأجيل الانهيار المحتوم لأحد أعمدة القوة الأمريكية –غير العسكرية– التي كانت تضمن وجودها كقوة عظمى. بعض هذه الأعمدة مات، والبعض الآخر يتمايل… وباختصار، تحاول الولايات المتحدة خوض حرب وجود. وهي تطور خطيرة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون تطورًا مفرحًا أو مزعجًا، حسب طريقة نظرتك للعالم… هذه “الحرب الإلزامية” ستكشف كيف ستنتهي ولاية ترامب الثانية، ومن سيكون رئيس عام 2028، وما إذا كان العالم سيشهد أزمة اقتصادية تقطع أنفاسه، وكيف سيُصاغ النظام المالي الجديد، وأخيرًا كيف ستُقسم خيرات العالم. إنها حالة تتجاوز بكثير مسألة انجرار ترامب خلف إسرائيل التي أغضبت قاعدته الانتخابية من أنصار “ماغا”… تحذير وزير الطاقة القطري الذي صدر أمس بأن “الحرب في الشرق الأوسط قد تقوض الاقتصاد العالمي” هو في الحقيقة تعبير عن هذا المعنى. وتوقع الوزير أيضًا أن دول الخليج المصدرة للطاقة ستوقف إنتاجها بالكامل خلال أسابيع قليلة، وأن سعر برميل النفط سيرتفع إلى 150 دولارًا. وهو ما يشبه قول وزير الخارجية الإيراني في بداية الأسبوع إن السعر قد يصل إلى 200 دولار… ولهذا السبب، قد لا يتمكن رئيس الولايات المتحدة نفسه من إيقاف هذه الحرب… بل إن الأخبار التي ترد منذ 48 ساعة تفيد بأن وتيرة الحرب/الهجمات جرى خفضها، وأن التحضير لحرب طويلة الأمد يجري الآن. وهذا أمر سيئ للغاية… أما بالنسبة لروسيا والصين خصوصًا، فإن الوضع أبسط؛ فحاجة بكين إلى الطاقة، وبشكل خاص النفط، حاجة لا يمكن إيقافها ولا حتى تأجيلها. فهي تضطر إلى بناء مخزونات دائمة، وشراء كميات كبيرة من الطاقة/النفط من الدول الموالية لها، والحصول عليه من إيران، والاستثمار بكثافة في الطاقة الشمسية وغيرها من النهج البيئية، لكنها لا تسد سوى جزء من حاجتها الحيوية. وتحاول على الأقل كحل، شراء هذه الموارد “بغير الدولار”. وكذلك تفعل روسيا. وهذا ما يثير جنون الولايات المتحدة وتعتبره هجومًا على وجودها… ولا شك أن موسكو وبكين تحاولان تعقيد مهمة الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران. ولا يمكن تناول الموضوع بشكل سطحي وكأنه يتعلق بإرسال قوات. كما يجب أن ندرج في هذا السياق قول وزير الخارجية الإيراني ردًا على سؤال “هل تتلقون دعمًا من الصين”، حين قال: “يدعموننا سياسيًا وبطرق أخرى”. وهذا جزء من محاولة التعقيد… وزيارة وزير الخارجية الصيني إلى المنطقة بهدف المصالحة بين إيران ودول الخليج تدخل في الإطار نفسه؛ فهم يريدون تقليص نظام التحالفات. وقد فعلوا شيئًا مشابهًا عندما أصلحوا العلاقات بين السعودية وإيران. إن النظام الذي تحاول أمريكا ترامب حمايته هو جوهر المسألة. لذلك كلما ازدادت صعوبة الحرب على إيران، زادت احتمالية تشددها ومحاولتها دفع حلفائها –الذين أرهقتهم عند تسلمها السلطة– إلى ساحة المعركة. ولهذا تضغط على الدول الأوروبية. ولهذا السبب أيضًا تكتفي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بتقديم دعم عسكري محدود لا يصل إلى حد المشاركة المباشرة… على سبيل المثال، إيطاليا ليست راضية عن حرب إيران، لكنها تضع أنظمة دفاع في بعض دول الخليج من باب “عدم تلطيخ أنفسنا بالمخاطر”. ونحن نقدر الموقف المبدئي لإسبانيا. وبلجيكا أيضًا تتجنب الانخراط. أما دول أوروبا الأساسية فترسل سفنًا حربية إلى المتوسط، لكنها لا تشارك مباشرة في الهجمات… أوروبا لا تعارض الدفاع عن النظام القائم، لكنها لا تدخل في أعمال تبرئ ترامب. فهي تدرك في النهاية أن ترامب لا يستطيع حماية النظام، وأنه في جوهره معادٍ لهياكل السلطة القديمة. لذلك تفضل الاستثمار في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية… أما واشنطن فلا تعترض على فكرة أن تتخذ دول الخليج والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مواقع داعمة لها –وإن بشكل غير رسمي– وربما إذا جرى تجنيد قوة برية فسيتم إشراك “الورقة الكردية” أو قوات من دول المنطقة! ونصل هنا إلى السؤال الذي يختبئ خلف الحرب: “ماذا لو لم تنتصر أمريكا؟” بقاء إيران على حالها سيضع حدودًا جيوسياسية واقتصادية أمام الولايات المتحدة. ويمكن أن يطلق ذلك سلسلة من ردود الفعل، بعضها سياسي وبعضها مالي. إنه احتمال. لكنه موجود…