تبلورت ظاهرة «السلطة السياسية» (السياسة) منذ أن بدأ الإنسان يفكر في «تنظيم» المجتمعات التي يقيمها، ويحيا فيها. حيث نتج عن هذا التفكير ما يعرف الآن بـ«المعرفة السياسية»؛ فالإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يعيش إلا في جماعة. وهو كائن مفكر.. إذ يتميّز بامتلاك «العقل».. هاتان الخاصيتان جعلتاه -ضمن ما جعلتاه- كائناً سياسياً أيضاً، أدرك أو لم يدرك، شاء أم أبي.إن المعرفة السياسية (بفروعها الثلاثة؛ البديهية والفلسفية والعلمية) ظهرت كوليد لحاجة البشر إلى الجماعة.. وضرورة تنظيم و«إدارة» هذه الجماعة (سياستها).. وقدرة الإنسان على التفكير والتأمل، بهذا الشأن وغيره، لأنه يمتلك العقل. إن الناس يهتمون بـ«السياسة» (الإدارة العليا العامة لأي بلاد، وهذا تعريفها) لتحقيق هدف رئيسي هام، هو فهم هذه الظاهرة.. التي هي -في الواقع- أهم الظواهر الإنسانية - الاجتماعية في حياة الناس العامة. فللسياسة تأثير هائل وواضح -بالإيجاب والسلب- على كل جوانب الحياة والسلوك الإنساني بعامة.وأهمية «علم السياسة» بخاصة، والمعرفة السياسية بصفة عامة، تنبع من حيوية وأهمية الظاهرة التي يتناولها.. وحتمية فهمها فهماً علمياً صحيحاً، لدورها الحاسم في حياة البشر، ولكي يتمكّن الإنسان من التأثير فيها، بما يتلاءم وغاياته ومصالحه. وكأي علم آخر، فإن هدف علم السياسة هو الكشف عن الحقيقة في مجال موضوعه.. أي معرفة «ما هو كائن» معرفة موضوعية تامة. ويمكن استخدام هذه المعرفة لتحديد وتوضيح «ما يجب أن يكون» في مجال الظواهر والأمور المعنية. وهنا، نجد أنه كأي علم آخر، سلاح ذو حدين.***وفي واقع الأمر، فإن جوهر علم السياسة، ومضمونه العام، يتمحور حول «الحكم» (الإدارة العليا للبلاد -أي بلاد).. حتى أنه يسوغ -في رأينا- أن يوصف هذا العلم بأنه «علم الحكومات». وقديماً كان يُطلق عليه «علم الدولة». ولعل أهم جانبين يتناولهما هذا العلم، بصفة خاصة، والمعرفة السياسية، على وجه العموم، هما: من؟ وكيف؟ أي من يحكم؟ وكيف يحكم؟. علماً بأن «من» هذه تشمل الفرد والجماعة بالمفرد والجمع. أما الـ«کیف» فتتضمن سلوك «من» السياسي، وكيفية إدارته للشأن العام الموكلة له إدارته، والضوابط التي تضمن عدم انحرافه، واستبداده، وعدم تأييده في السلطة.إن علم السياسة يتناول «من يحكم»، ضمناً وصراحة، في دول العالم المختلفة، وكيف يحكمون.. ومن زاوية «ما هو كائن» أولاً. أي أن علم السياسة يوضح لنا «من يحكم» و«كيف يحكم»، أي من يحكم بالفعل، وكيفية حكمه.. في بلدان العالم المختلفة.. إضافة الى الإجابة على بقية الأسئلة -الأقل أهمية- وهي؛ أين؟ متی؟ لماذا؟ وتلك هي المرحلة الأولى.. مرحلة الفهم. وبناء على فهم ما هو كائن، يمكن للعالم أن يوضح، أو يشرع، أفضل «ما يجب أن يكون» (بالنسبة لمن وكيف). وبالطبع، فإن مدى دقة وصحة وسلامة «ما يجب أن يكون» تعتمد على مدى دقة وصحة وسلامة فهم «ما هو كائن».***أما الفلسفة السياسية، فإنها تختص بـ«من» يجب أن يحكم، وكيف ينبغي أن يحكم.. أو ما يجب أن يكون عليه الحكم، بشقيه؛ من؟ وكيف؟ فمنذ أن بدأت الفلسفة السياسية، مع نشوء المجتمعات (الدول) الإنسانية، وقضية فلاسفة السياسة الأولى، بشتى ميولهم ومشاربهم، هي؛ من؟ وكيف؟ -من زاوية ما يجب أن يكون- في رأي الفيلسوف.أما الفكر السياسي الإسلامي.. أي فكر العلماء والفلاسفة والكتاب، الذين يقولون إنهم يقيمون آراءهم ورؤاهم السياسية على مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، فقد استقر على أن «كيفية» الحكم تكون وفق مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، رغم أن غالبيتهم لا توضح هذه الكيفية، و«الآلية» التي تضمن إنفاذها بالفعل، في أرض الواقع. أما من حيث «من»، فإنها مسألة ما زال يكتنفها الكثير من الغموض والاختلاف لدى النسبة الأكبر من «مفكري» السياسة المسلمين. والبعض من هؤلاء لا يكترث بقضية «من»، رغم أهميتها الحاسمة، وارتباطها الوثيق بالـ«کیف».. وتلك كانت -وما زالت- أبرز نقاط ضعف وقصور وتخلف فكر أولئك المفكرين.ومما زاد الطين بلة، أن بعضاً من أولئك الكتّاب تغلب على طروحاتهم واجتهاداتهم، صفات الجهل والنفاق، بل والأخطاء، وضعف العلم بالسياسة، وأسرارها. وهي خطايا يجب ألا يتحمل وزرها الإسلام، بل من يقدمون أنفسهم كمنتسبين إليه. قلة قليلة جداً وتعد على أصابع اليد الواحدة، من المفكرين السياسيين الإسلاميين، بدأت مؤخراً تتعامل مع «من؟» و«کیف؟» بأسلوب علمي ومنطقي وشرعي سلیم.. يرجى أن تنجح طروحاتها.. لتمسى كأطر نظرية ضرورية.. تسهم -إن فعلت- في انتشال ما فيه معظم الأمة العربية والاسلامية من تخلف سياسي.. انعكس بالسلب على جلّ مناحي الحياة العامة، في أغلب تلك البلاد.