تشهد العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي توترا متزايدا في ظل التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة، ما يفتح الباب أمام احتمال استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية كوسيلة ضغط على طهران. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الخميس نقلا عن مصادر مطلعة أن دولة الإمارات العربية المتحدة تدرس تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات موجودة داخل الدولة الخليجية، في خطوة من شأنها تقييد وصول طهران للعملات الأجنبية والتجارة العالمية في ظل الاحداث الاقليمية الجارية. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل بشأن طبيعة الإجراءات الاقتصادية التي يمكن أن تفرضها دول الخليج، وحجم الأصول والاستثمارات الإيرانية الموجودة في المنطقة، لاسيما في دولة الإمارات العربية المتحدة، وايضا هناك إمكان تضر السياحة الايرانية حيث يقصد نحو 90 % من السياح البحرينيين المراقد والمواقع الدينية في إيران. عمق العلاقات الاقتصادية بين إيران والخليج رغم التوترات السياسية التي طبعت العلاقات خلال السنوات الماضية، ظلت الروابط الاقتصادية بين إيران وبعض دول الخليج قائمة بدرجات متفاوتة. وتعد الإمارات العربية المتحدة الشريك التجاري الأبرز لإيران في المنطقة، إذ شكلت دبي تحديدا مركزا مهما للتجارة وإعادة التصدير نحو السوق الإيرانية. تشير تقديرات اقتصادية إلى أن حجم التجارة بين إيران والإمارات بلغ في بعض السنوات أكثر من 20 مليار دولار سنويا، ما جعل الإمارات إحدى أهم بوابات إيران إلى الاقتصاد العالمي، خصوصا في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها. كما استقر في الإمارات آلاف رجال الأعمال الإيرانيين الذين أسسوا شركات تعمل في مجالات التجارة والنقل البحري والخدمات اللوجستية والعقارات. هذا التشابك الاقتصادي خلق شبكة واسعة من المصالح المالية والاستثمارية الإيرانية داخل الإمارات، الأمر الذي يمنح دول الخليج ورقة ضغط اقتصادية محتملة في حال تصاعد التوترات السياسية. وفي سياق متصل، تعد السياحة الدينية ركيزة أساسية في العلاقات بين البحرين وإيران، حيث يقصد نحو 90 % من السياح البحرينيين المراقد والمواقع الدينية في إيران. رغم عدم وجود أرقام دقيقة حديثة، يُظهر المؤشر تناميا مستمرا في أعداد الزوار، مع وجود فرص استثمارية سياحية بحرينية في إيران تقدر قيمتها بمليار دولار، كما أفاد بذلك سفير ايراني سابق في المنامة في مقابلة مع صحيفة “البلاد”. تجميد الأصول: أداة ضغط مالية محتملة من بين أبرز الإجراءات التي قد تلجأ إليها دول الخليج في حال تصعيد المواجهة مع إيران، خيار تجميد الأصول المالية والاستثمارية المرتبطة بأفراد أو شركات إيرانية. ويشمل ذلك الحسابات المصرفية والاستثمارات التجارية والعقارية التي يمتلكها رجال أعمال أو شركات مرتبطة بإيران. وفي حال تطبيق مثل هذه الخطوة، قد تمتد إلى مراجعة حسابات الشركات التي يشتبه في ارتباطها بمؤسسات رسمية إيرانية أو بجهات خاضعة للعقوبات الدولية. كما يمكن أن تشمل القيود الأصول التي تمر عبر شركات وسيطة أو كيانات مسجلة في المناطق الحرة. ويُعد هذا النوع من الإجراءات ذا تأثير كبير، لأن الإمارات تُعد مركزا ماليا مهما تمر عبره نسبة من المعاملات التجارية والمالية المرتبطة بإيران. استهداف الشركات وشبكات التجارة تعتمد إيران في جزء من تجارتها الخارجية على شبكات شركات مسجلة خارج أراضيها، خصوصا في المناطق الحرة الخليجية، حيث تُستخدم بعض هذه الشركات كوسيط لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية. لذلك قد تشمل الإجراءات المحتملة تشديد الرقابة على هذه الشركات أو إلغاء التراخيص التجارية لبعضها، خصوصا إذا ثبت استخدامها كقنوات للالتفاف على العقوبات الدولية. كما يمكن أن تتخذ السلطات الخليجية خطوات لتعزيز الشفافية المالية ومراقبة حركة البضائع التي يعاد تصديرها إلى إيران. مثل هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تعطيل جزء من حركة التجارة التي تمر عبر الموانئ الخليجية نحو إيران، ما قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الإيراني. قيود مصرفية وتحويلات مالية إضافة إلى الإجراءات التجارية، قد تلجأ دول الخليج إلى فرض قيود مصرفية على التعاملات المالية المرتبطة بإيران. وقد تشمل هذه القيود الحد من التحويلات المالية أو إخضاعها لرقابة مشددة، إضافة إلى تشديد الإجراءات المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. كما يمكن أن تطال القيود بعض مكاتب الصرافة أو شبكات التحويل غير الرسمية التي تستخدم لنقل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي. هذه الإجراءات قد تقلص قدرة الشركات الإيرانية على استخدام النظام المالي الإقليمي لإدارة تجارتها الخارجية. قيود لوجستية وبحرية في سياق التصعيد الاقتصادي المحتمل، قد تمتد الإجراءات أيضا إلى قطاع النقل البحري واللوجستيات. ويمكن أن تشمل فرض قيود على دخول بعض السفن الإيرانية إلى الموانئ الخليجية أو إخضاعها لإجراءات تفتيش إضافية. كما قد يجري تشديد الرقابة على الشحنات التي يشتبه في ارتباطها بتجارة النفط أو البتروكيماويات الإيرانية، وهو ما قد يؤثر في حركة التجارة البحرية المرتبطة بإيران. حجم الأصول الإيرانية في الإمارات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الأصول التي يمتلكها رجال أعمال ومستثمرون إيرانيون في الإمارات كبير نسبيا، ويشمل استثمارات عقارية وتجارية وشركات مسجلة في المناطق الحرة. وتتركز نسبة كبيرة من هذه الأصول في إمارة دبي التي تستضيف جالية إيرانية واسعة ونشاطا تجاريا ملحوظا. وتتوزع هذه الأصول بين عقارات سكنية وتجارية، وشركات استيراد وتصدير، ومؤسسات تعمل في مجالات الشحن والخدمات اللوجستية، إضافة إلى حسابات مصرفية واستثمارات مالية متنوعة. تأثير محتمل على الاقتصاد الإيراني إذا قررت دول الخليج اتخاذ إجراءات اقتصادية صارمة، فقد يؤدي ذلك إلى تضييق القنوات التي تستخدمها إيران للتجارة والتحويلات المالية. وقد ينعكس ذلك على تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد الإيراني وعلى قدرة الشركات الإيرانية على الوصول إلى الأسواق الدولية. ومع ذلك، فإن تطبيق مثل هذه الإجراءات يعتمد إلى حد كبير على التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة، وعلى رغبة الدول الخليجية في تجنب تصعيد اقتصادي واسع قد يؤثر أيضا في حركة التجارة الإقليمية. في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، تبقى الأدوات الاقتصادية أحد الخيارات المطروحة أمام دول الخليج للضغط على إيران. وتبرز الإمارات في هذا السياق كونها مركزا ماليا وتجاريا مهما يرتبط بجزء من النشاط الاقتصادي الإيراني خارج البلاد. ومع أن حجم الأصول والاستثمارات الإيرانية في الإمارات والسياحة الدينية لرعايا البحرين بالعتبات الدينية في ايران وغيرها من المصالح تمنح دول الخليج قدرة نظرية على ممارسة ضغط اقتصادي مؤثر، فإن أي خطوات في هذا الاتجاه ستظل مرتبطة بحسابات سياسية واقتصادية دقيقة، تأخذ في الاعتبار استقرار الأسواق الإقليمية ومصالح التجارة الدولية.