كتب -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني- يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. ولهذا السبب ظلّ أمن هذا المضيق لعقود جزءاً من منظومة الهيمنة الاستراتيجية التي بنتها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. لكن التطورات الأخيرة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، تشير إلى أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالسهولة نفسها، وأن قدرة واشنطن على فرض الأمن البحري في الخليج لم تعد مطلقة كما كانت في السابق. حرب غير تقليدية تربك القوة البحرية تعتمد استراتيجية إيران العسكرية في تهديد الملاحة في المضيق على مزيج من أدوات الحرب غير المتكافئة، مثل الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام البحرية. هذه الأدوات منخفضة الكلفة نسبياً لكنها عالية التأثير، ما يجعل من الصعب على أي قوة بحرية— حتى لو كانت الأقوى في العالم—أن توفر حماية كاملة لكل سفينة تعبر المضيق. كما أن إيران نجحت خلال السنوات الماضية في تطوير ما يُعرف باستراتيجية منع الوصول أو الحرمان من المنطقة Anti-Access/Area Denial، وهي عقيدة عسكرية تهدف إلى جعل دخول القطع البحرية الكبيرة إلى مناطق معينة أمراً شديد الكلفة. وفي بيئة جغرافية ضيقة نسبياً مثل الخليج العربي، تصبح هذه الاستراتيجية أكثر فعالية لأنها تقلّص هامش المناورة أمام الأساطيل الكبيرة. فالتحدي هنا ليس في قدرة واشنطن على الرد العسكري، بل في استحالة منع كل تهديد محتمل. فصاروخ واحد أو مسيّرة صغيرة قد يكونان كافيين لإرباك الملاحة أو رفع كلفة التأمين والشحن، وهو ما يحقق هدف الضغط الاستراتيجي دون الدخول في مواجهة بحرية تقليدية واسعة. إعادة تموضع حاملة الطائرات… مؤشر على تغير المعادلة من أبرز المؤشرات العسكرية على هذا التحول ما أعلنته واشنطن نفسها عن إعادة تموضع حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln (CVN-72) بعيداً عن المياه القريبة من السواحل الإيرانية. فالحاملة التي تُعد من أكبر أدوات القوة البحرية الأمريكية لم تعد تعمل بالقرب المباشر من مسرح التهديد كما كان يحدث في الأزمات السابقة في الخليج. وبحسب التصريحات الأمريكية، فإن هذه الخطوة تأتي في إطار إعادة تنظيم انتشار القوات البحرية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحالية. غير أن كثيراً من المراقبين يرون في هذا التغيير دليلاً على أن ميزان المخاطر التكتيكية في المنطقة قد تبدّل بصورة ملحوظة. اعتراف ضمني بالعجز في هذا السياق، لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دعوة شركاء دوليين للمشاركة في حماية المضيق. وقد وجّه نداءً إلى دول حلف شمال الأطلسي، كما دعا قوى اقتصادية كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية للمساهمة في تأمين الممر، بحجة أن نفط الشرق الأوسط يتدفق أساساً إلى اقتصاداتها، وبالتالي فإن حماية هذا الشريان الحيوي يجب أن تكون مسؤولية مشتركة. هذه الدعوة تحمل في طياتها اعترافاً غير مباشر بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة – سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً – على تحمل عبء حماية طرق التجارة العالمية بمفردها كما كان الحال في العقود الماضية. مؤشر على محدودية نتائج الحرب كما أن هذا التطور يكشف بعداً آخر يتعلق بتقييم نتائج الحرب الجارية ضد إيران. فلو كانت هذه الحرب قد نجحت بالفعل في تحقيق هدفها الاستراتيجي بتحييد إيران كقوة إقليمية مؤثرة، لما بقيت طهران قادرة على تهديد واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم. إن استمرار قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وأدوات الحرب غير المتكافئة للتأثير في أمن الملاحة الدولية يشير إلى أن الحرب، رغم ما ألحقته من أضرار، لم تنجح في كسر الدور الجيوسياسي لإيران أو إخراجها من معادلة القوة في المنطقة. بل إن المشهد الحالي يوحي بأن إيران ما زالت تمتلك أوراق ضغط استراتيجية تمكّنها من التأثير في الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر لجوء واشنطن إلى حشد دعم دولي واسع لحماية الملاحة في المضيق. وبذلك يتحول المضيق نفسه إلى دليل على أن تحييد إيران استراتيجياً لم يتحقق حتى الآن. محاولة للضغط على الحلفاء لم يكتفِ ترامب بدعوة الحلفاء للمشاركة، بل ذكّر الدول الأوروبية بالتزاماتها داخل حلف الناتو، مستحضراً الدعم العسكري والمالي الكبير الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها مع روسيا بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ومن خلال هذا التذكير يحاول ترامب بناء معادلة سياسية مفادها أن واشنطن وقفت إلى جانب أوروبا في مواجهة روسيا، وبالتالي ينبغي على الأوروبيين الآن أن يقفوا إلى جانبها في حماية طرق الطاقة العالمية في الخليج. رد الفعل الأوروبي المتوقع غير أن الاستجابة الأوروبية قد تكون أكثر حذراً مما تتوقعه واشنطن. فالدول الأوروبية تدرك أن الانخراط العسكري المباشر في تأمين مضيق هرمز قد يضعها في قلب مواجهة إقليمية مع إيران، وهو سيناريو تحاول كثير من العواصم تجنبه. كما أن التجارب السابقة في الشرق الأوسط، وخاصة بعد حرب العراق، جعلت الرأي العام الأوروبي أكثر تحفظاً تجاه الانخراط في عمليات عسكرية تقودها الولايات المتحدة. ولذلك قد يقتصر الدور الأوروبي على دعم لوجستي أو مشاركة محدودة في عمليات المراقبة البحرية دون الانخراط في مواجهة مباشرة. حسابات القوى الآسيوية أما القوى الآسيوية مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فهي الأكثر اعتماداً على نفط الخليج، لكنها في الوقت ذاته الأكثر حرصاً على تجنب التورط في صراع عسكري في المنطقة. فالصين، على سبيل المثال، ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية مع إيران، وتسعى في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها كقوة توازن دولية لا كطرف في الصراع. ولهذا قد تميل هذه الدول إلى دعم ترتيبات أمنية محدودة أو مبادرات دولية لضمان حرية الملاحة، دون الانضمام إلى تحالف عسكري واسع تقوده الولايات المتحدة. مضيق هرمز… مرآة التحول في ميزان القوة في المحصلة، يكشف الجدل الدائر حول حماية مضيق هرمز عن تحول أعمق في بنية النظام الدولي. فالقوة التي كانت لعقود قادرة على فرض الأمن في الممرات البحرية الاستراتيجية تجد نفسها اليوم مضطرة لطلب المساعدة من حلفائها وحتى من بعض منافسيها. وفي الوقت ذاته، يظهر أن إيران ما زالت تمتلك أدوات كافية للحفاظ على دورها كفاعل استراتيجي في المنطقة. وبذلك يتحول مضيق هرمز، بكل ما يحمله من أهمية للطاقة العالمية، إلى مرآة تعكس تغير موازين القوة في الشرق الأوسط والعالم .