فخ الاستغراق في الماضي: عندما يصبح التاريخ عدوا للتنمية

في العراق لا يستدعى الماضي كـذكرى، بل يستحضر كـسلطة ومنهج لإدارة الصراع الحاضر. هذه الظاهرة يسميها مختصو العلوم السياسية والاجتماعية بـ "تسييس التاريخ" أو "الاستثمار في المظلومية والبطولة التاريخية". ومظاهر إقحام الماضي البعيد في السياسة العراقية الآنية تأخذ اشكالا شتى، من ذلك محاولة ربط الشرعية السياسية بشرعية مستمدة من "النسب" والرمزية، فبدلا من أن تبنى البرامج السياسية على خطط اقتصادية، تعتمد كثير من القوى لاسيما الأحزاب الدينية على "الشرعية التاريخية" أو الانتماء لرموز دينية وتاريخية من القرن الأول الهجري، وكأن الصراع السياسي اليوم هو امتداد لمعارك تاريخية قديمة. حتى في الانتخابات يستعمل الماضي كأداة لشحن القواعد الشعبية، اذ يجري تصوير المنافس السياسي ليس كخصم في رؤية إدارة الدولة، بل كوريث لجهة تاريخية ظالمة، مما يجعل التصويت فعلا انتقاميا أو ثأريا للماضي وليس اختيارا للمستقبل. يجري نوع من الاستقطاب اللغوي والرمزي الحاد باستحضار مصطلحات من التراث والدين مثل الفتح، والجهاد والدعاء والثأر، ويجري التخوين التاريخي في الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يحول أي خلاف على قانون أو "موازنة" إلى معركة وجودية ذات أبعاد عقائدية موغلة في القدم، ورأينا ذلك في خضم الجدل بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية العراقي لسنة 1959. ويجري ايضا إطلاق أسماء معارك أو شخصيات تاريخية او دينية مثيرة للجدل على العمليات العسكرية أو الأحياء السكنية، أو حتى التحالفات السياسية، مما يبقي العقل الجمعي محبوسا في تلك الحقبة. يمكن القول ان   العراق ليس وحيدا في هذا، لكن الفارق يكمن في كيفية تفكيك هذا الارتباط. واستنادا الى التجارب التاريخية في أيرلندا الشمالية (الصراع البروتستانتي الكاثوليكي)، وحتى وقت قريب، كان السياسيون يستحضرون معارك من عام 1690 مثل معركة "بوين"، اذ كانت المسيرات السنوية تقام لاستذكار انتصارات قديمة بهدف استفزاز الطرف الآخر سياسيا. ولكن جرى تسوية الأمر عبر "اتفاق الجمعة العظيمة" او اتفاق بلفاست عام 1998، اذ جرى تحويل الصراع من الطائفي التاريخي إلى  سياسي ديمقراطي، وجرى التركيز على التنمية المشتركة والاعتذارات المتبادلة، مما حقق الاستقرار وجعل التاريخ مادة للمتاحف وليس لصناديق الاقتراع. في يوغوسلافيا السابقة في تسعينات القرن الماضي، استدعى القادة الصرب معارك تعود لعام 1389 (معركة قوصوه ضد العثمانيين) لتسويغ سياساتهم القومية والحروب التي خاضوها، وجرى إقحام الماضي السحيق لتأجيج مشاعر الكراهية ضد الجيران. و ما تزال هذه المنطقة تعاني من آثار هذا الإقحام، لكن ضغوط الانضمام للاتحاد الأوروبي أجبرت هذه الدول على تبني معايير المواطنة بدلا من الهوية التاريخية. في الولايات المتحدة في واقعة (تمثال الكونفدرالية)، وحتى اليوم، يدور صراع سياسي محتدم بشأن تماثيل قادة الحرب الأهلية (منذ نحو 160 عاما)، يستعمل هذا الماضي في الخطاب الانتخابي بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن العرق والهوية. ان الدول التي تنهض هي التي تحول التاريخ إلى هوية جامعة أو عبرة تربوية، أما في العراق فيجري استغلاله كـخندق، ويرتبط ذلك بغياب الإنجاز الحاضر، فعندما تعجز القوى السياسية عن تقديم خدمات الكهرباء، والماء، أو بناء اقتصاد قوي، لا يتبقى لها سوى دغدغة العواطف التاريخية للحفاظ على ولاء جمهورها. وعندما تضعف المواطنة، يبحث الفرد عن الحماية في الهوية الفرعية التي تتغذى بدورها على قصص الماضي. الدول المتحضرة لا تنسى ماضيها، لكنها تصالحه وتتجاوزه، الفرق أنهم يقرأون التاريخ ليفهموا أين أخطأوا، فيما نحن نكرر التاريخ لنثبت أننا على حق والآخر على باطل. ان مسارات ثلاثة تتمثل في التعليم، والقانون، والاقتصاد، هي المحركات التي تدفع أي مجتمع للانتقال من عقلية المظلومية والنزاع إلى عقلية البناء والرفاه. فتحديث المناهج الدراسية ليس مجرد إضافة دروس في الحاسوب، بل هو تغيير فلسفة التاريخ ذاتها، فبدلا من تقديم التاريخ كصراع مستمر بين حق مطلق وباطل مطلق، يقدم كـسياق بشري فيه الخطأ والصواب، وعندما يتعلم الطالب كيف يحلل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي أدت لصراعات الماضي، فإنه يحصن نفسه ضد أي سياسي يحاول استغلال تلك العواطف اليوم. وفيما يتعلق بالقانون فان قانونا عصريا للأحوال المدنية والشخصية هو الضمانة ليكون الفرد مواطنا أمام الدولة، وليس عضوا في طائفة أو ابنا لعشيرة فقط؛ هذا القانون يفك الارتباط القانوني بين حقوق الإنسان وانتماءاته الموروثة، مما يجعل الولاء للدولة هو المظلة الأكبر، ويقلل من حاجته للاحتماء بالهويات التي تتغذى على قصص الماضي البعيد. اما الاقتصاد والنمط المعيشي فتربطه واقعية المصالح، وهناك مقولة شهيرة فحواها، ان الشعوب التي تنشغل ببناء مستقبلها، لا تملك وقتا للنبش في قبور ماضيها، وعندما يرتفع المستوى المعيشي ويصبح لدى الفرد ما يخاف على خسارته بصورة عمل جيد، وتأمين صحي، وخطة استثمارية فيما يتعلق بالبلد، فإنه يميل تلقائيا نحو الاعتدال والواقعية، في هذه الحالة، يصبح الخطاب الطائفي أو التاريخي المتشنج غير مربح وغير مزعج للاستقرار الذي يعيشه. نريد مجتمعا يستمد من ماضيه القيم الجمالية، والشجاعة، والمنجز الحضاري كالعمارة والأدب والفن والفلسفة، ويترك الأحقاد السياسية في ذمة التاريخ. فعلت دول مثل اليابان والمانيا ذلك بالضبط، حافظوا على لغاتهم وتقاليدهم وعمقهم التاريخي، لكنهم قطعوا الصلة بجميع ايديولوجيات الصراع التي دمرت بلدانهم في الماضي، وانطلقوا لبناء حاضر تقوده التكنولوجيا والكرامة الإنسانية.