ترك برس تناول مقال للكاتب والمحلل السياسي هاني بشر، المعضلة الاستراتيجية التي تواجهها تركيا في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، حيث يصعب على أنقرة الحفاظ على الحياد في صراع إقليمي واسع تتقاطع فيه المصالح العسكرية والأمنية. يعرض الكاتب في مقاله بصحيفة "عربي21" فكرة المجال الحيوي في العلاقات الدولية لتفسير سبب ارتباط أمن تركيا بأمن جوارها، خصوصاً دول الخليج التي تربطها بها اتفاقيات دفاعية ومصالح استراتيجية. ويرى أن هذه المعطيات تجعل تركيا جزءاً من معادلة الحرب حتى إن لم تنخرط عسكرياً بشكل مباشر، ما يفرض عليها تبني سياسة ردع وحضور فاعل يحمي مصالحها ويمنع تهديد مجالها الحيوي، مع الاستفادة من علاقاتها المتوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة. وفيما يلي نص المقال: في الحروب الكبيرة لا مجال لقبول الحياد، فأطراف الحرب تنتظر من الأطراف الأخرى، خاصة القوى الإقليمية الفاعلة، إما الاصطفاف معها أو مع أعدائها. هكذا كان الأمر في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فمشهد نهاية هاتين الحربين العالميتين لم يكن هو ذاته مشهد النهاية من حيث اصطفاف الدول والانتقال من خانة الحياد إلى خانة الفاعلين المباشرين في الحرب. ولهذا تجد تركيا نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. تدرك تركيا جيدا أن إسرائيل تريد أن تورطها في هذه الحرب لاستنزاف مقدراتها، ولهذا تنأى بنفسها حتى الآن عن الدخول عسكريا في تلك الحرب بأي شكل من الأشكال. ومن جهة أخرى، لا تترك إيران لتركيا فرصة التمتع بدور المراقب والمحايد تجاه الحرب، فها هي الصواريخ الإيراني تدخل المجال الجوي التركي من دون استئذان، وصبر الأتراك لن يطول تجاه هذه الخروقات العسكرية. تقول القاعدة العسكرية إن الهجوم خير وسيلة للدفاع، فهل يعني هذا أن تقوم تركيا بمهاجمة إيران؟ الإجابة: كلا، ولكن الهجوم الدفاعي التركي له أشكال أخرى بما يخدم المصالح التركية والمصالح العربية أيضا. ونقطة البداية هنا، هي التعرف على نظرية المجال الحيوي في العلاقات الدولية، ومفادها أن الدولة ليست كائنا محبوسا داخل محيط حدوده الجغرافية، فدول الجوار بالنسبة له هي مجال حيوي يرتبط بمصالحة السياسية والعسكرية والاقتصادية بشكل مباشر، وهذا يعني أن تهديد أو استعمار دول الجوار لأي دولة يعتبر تهديدا لأمنها القومي. ولهذا لا ترى إيران في دول الخليج العربي سوى جزء من فضائها الاستراتيجي ومجالها الحيوي لا ينبغي أن توجد فيه القوات الأمريكية والأوروبية. وهذه القوات لم توجد أصلا سوى بسبب تهديدات إيران وأيضا بسبب غزو صدام حسين للكويت؛ الذي جاء في أعقاب إنهاك العراق في الحرب مع إيران وتراكم الديون عليه. ظلت معادلة الأمن الجماعي في دول مجلس التعاون الخليجي ثابتة على مدار نحو ثلاثة عقود حتى اكتشفت عدد من الدول بعض الثغرات قبل سنوات قليلة، الأمر الذي أدى إلى توقيع الكويت مع تركيا اتفاقية دفاع مشترك عام 2018، وهناك تعاون عسكري قطري ضمن اتفاقيات تضمنت تأسيس قاعدة عسكرية تركية في قطر. وهذا يعني أن تركيا دخلت على خط الأمن الخليجي منذ أكثر من ثماني سنوات. ليست تركيا وحدها في هذا المجال، فمن جانبها اتجهت السعودية لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، واتجهت الإمارات لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الهند. كل هذا يعني أن لتركيا مصالح عسكرية وأمنية بخلاف المصالح الاقتصادية في أمن دول الخليج، وهو ما يجعلها طرفا فاعلا في المعادلة. وهذا لا يعني بالضرورة أن تنخرط في الحرب الدائرة بقدر ما يعني أن تلوح بمصالحها المهددة هناك وبأنها طرف فاعل وليس وسيطا محايدا بعيدا. لقد دفعت تركيا ثمنا باهظا جراء تركها للفراغ في سوريا يملؤه الإيرانيون والروس، قبل أن تستعيد زمام المبادرة لاحقا في هذا الملف. خلاصة القول إن الجوار الجغرافي المتاخم لإيران ومصالح تركيا واتفاقاتها الدفاعية مع دول الخليج يجعل أنقرة جزءا من هذه الحرب شاءت أم أبت. والدرس المستفاد من تجربة سوريا هو أن تتجنب التدخل العسكري المباشر لكن لا بد من أن تكون جزءا من المعادلة العسكرية، وليست طرفا بعيدا لأن لهيب المعارك لن يتركها، فالأفضل أن تأخذ زمام المبادرة وتقدم نفسها للإيرانيين والأمريكيين والإسرائيليين بأنها صاحبة مصلحة ومصالحها مهددة وتقوم بكل إجراءات الردع لمن يقترب من مجالها الحيوي سواء في دول الخليج أو على حدودها. وهناك مصالح تركية إيرانية من جهة وتركية أمريكية من جهة أخرى تسمح لها بالقيام بهذا الدور.