لم تعد خراطة الأخشاب مجرد حرفة تقليدية تمارس داخل الورش الصغيرة، بل تحولت لدى الحرفي السعودي حسن محمد إلى تجربة فنية وثقافية تعكس جانباً من الهوية الحجازية.
فمن داخل ورشته في جدة التاريخية، استطاع أن يحول الأخشاب الطبيعية إلى أعمال فنية تحمل روح المكان وتصل إلى بيوت ومقتنيات سياح من مختلف أنحاء العالم.
ومع مرور السنوات أصبحت ورشته محطة يقصدها الزوار للتعرف على هذه الحرفة التقليدية، حيث خرجت من بين يديه أعمال فنية رافقت سياحاً من 45 دولة، لتصبح شاهداً على حضور الحرف اليدوية السعودية في المشهد الثقافي العالمي.
عقد من العمل والإبداع
وقال حسن لـ ”اليوم“ إن علاقته بخراطة الأخشاب بدأت منذ نحو عشر سنوات، حيث خاض رحلة طويلة من التعلم والممارسة والتجربة حتى تمكن من إتقان تفاصيل هذه الحرفة الدقيقة التي تعتمد على الصبر والمهارة.
وأضاف أنه قضى سنوات من العمل بين صوت المخرطة ورائحة الأخشاب الطبيعية، مستلهماً في أعماله روح التراث الحجازي الذي يمنح القطع التي يصنعها طابعاً فنياً مميزاً.
وأوضح أن منتجاته لم تعد تقتصر على زوار جدة التاريخية فحسب، بل أصبحت تغادر مع السياح إلى مختلف دول العالم، مشيراً إلى أن أعماله وصلت إلى مقتنيات أشخاص من 45 دولة، من بينها دول أوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة، وحتى دول بعيدة مثل قيرغيزستان.
وأكد أنه يحرص على توثيق رحلة وصول كل قطعة إلى دولة جديدة، باعتبارها قصة نجاح للحرفة اليدوية المحلية.
النجم الأرجنتيني ميسي
وأشار حسن إلى أن الورشة استقبلت خلال السنوات الماضية عدداً من الزوار والشخصيات العالمية الذين حرصوا على الاطلاع على فن خراطة الأخشاب عن قرب، ومن بينهم النجم الأرجنتيني الشهير ليونيل ميسي الذي تعرّف خلال زيارته على هذه الحرفة التراثية واطلع على تفاصيل العمل داخل الورشة.
في صناعة أعماله الفنية يعتمد حسن على مسارين رئيسيين لتأمين الأخشاب المستخدمة في الإنتاج. المسار الأول يتمثل في الأخشاب المستوردة التي تستخدم غالباً في المشاريع الكبيرة أو الطلبات التجارية التي تحتاج إلى كميات أكبر من المواد الخام.
أما المسار الثاني فيرتبط بشغفه الخاص بالأخشاب المحلية التي يتم جمعها من الأشجار التي تسقط أو يتم قطعها في الأحياء المحيطة بمدينة جدة.
إعادة تدوير الأخشاب
ويعمل الحرفي على إعادة تدوير هذه الأخشاب وتحويلها إلى قطع فنية متعددة الاستخدامات مثل المزهريات والأقلام ووحدات الإنارة المعلقة والدربزينات المعمارية.
ويؤكد أن الأخشاب المحلية تمنح كل قطعة طابعاً فريداً، لأن طبيعتها وشكل عروقها يختلفان من شجرة إلى أخرى، مما يجعل العمل الفني الناتج غير قابل للتكرار ويضفي عليه قيمة جمالية وتاريخية خاصة.
تعكس المنتجات التي تخرج من ورشة حسن محمد مزيجاً واضحاً بين التراث الحجازي والابتكار الحديث، حيث يستلهم في تصميماته عناصر معمارية معروفة في بيوت جدة التاريخية، ومن أبرزها عنصر المشربية المرتبط بالرواشين الشهيرة التي تزين واجهات المنازل القديمة.
تصاميم فنية جديدة
ويعمل على إعادة توظيف هذه العناصر بأسلوب معاصر يحافظ على روحها التراثية وفي الوقت ذاته يقدمها بشكل يتناسب مع الأذواق الحديثة.
كما يظهر في بعض أعماله عنصر ”الشاهد“ المستخدم في السبح التقليدية، حيث يعيد تقديمه ضمن تصاميم فنية جديدة تضيف بعداً جمالياً مختلفاً.
وتتنوع منتجات الورشة بين القطع التذكارية الصغيرة التي يقتنيها الزوار، وبين الطلبات الخاصة التي تنفذ لصالح جهات رسمية وشركات كبرى مثل وزارة الثقافة وهيئة التراث وصندوق التنمية الثقافي، وهو ما أسهم في إبراز هذه الحرفة ضمن المشاريع الثقافية والتطويرية الكبرى.
نشر الثقافة الحرفية
إلى جانب عمله الحرفي، يسعى حسن إلى تصحيح بعض المفاهيم المجتمعية حول مهنة خراطة الخشب، حيث يخلط البعض بينها وبين خراطة المعادن أو حتى الخياطة، رغم أنها حرفة مستقلة تعتمد على أدوات وتقنيات مختلفة.
ولهذا يعمل على تقديم ورش عمل تدريبية وتجارب تعريفية داخل نادي الخراطة في جدة التاريخية، بهدف تعريف المهتمين بأساسيات هذه المهنة ونقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة.
وتزداد هذه الأنشطة خلال فعاليات رمضان في جدة التاريخية التي تنظمها شركة بنش مارك، حيث تتيح الورش للزوار تجربة عملية تستمر قرابة ساعتين يتعلم خلالها المشارك كيفية صناعة قطعة خشبية منذ بدايتها وحتى اكتمالها باستخدام المخرطة والأدوات اليدوية المختلفة.
ويخرج المشاركون في نهاية التجربة بقطعة قاموا بصناعتها بأنفسهم، لتكون ذكرى لتجربتهم مع هذه الحرفة التراثية.
ويؤكد حسن أن إتقان خراطة الأخشاب رغم بساطة أدواتها يتطلب سنوات طويلة من التدريب والعمل المستمر، مشيراً إلى أن الحفاظ على هذه الحرف التقليدية يمثل جزءاً مهماً من صون الهوية الثقافية للمنطقة وتعريف الأجيال القادمة بقيمتها الفنية والتراثية.