الأقصى المغلق: حين تتحول "الذرائع الأمنية" إلى مشروع لتهويد القدس #عاجل

كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - منذ سبعة عشر يوماً تواصل سلطات الاحتلال الصهيوني إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، بذريعة "التطورات الأمنية" المرتبطة بالحرب الدائرة على إيران. غير أن ما يجري على الأرض يتجاوز بكثير حدود الإجراءات الأمنية المؤقتة، ليكشف عن مسار سياسي وأيديولوجي يسعى إلى فرض واقع جديد في القدس، وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد المبارك. إن استمرار الإغلاق لا يمكن تفسيره على أنه إجراء احترازي عابر، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل المشهد الديني في المدينة المحتلة. ويأتي ذلك في ظل تصاعد خطاب التحريض الذي تقوده جماعات متطرفة تعرف باسم منظمات الهيكل، والتي تدعو صراحة إلى تكريس السيطرة الصهيونية الكاملة على الأقصى وفرض واقع ديني جديد فيه. لكن الخطورة لا تكمن فقط في استمرار الإغلاق، بل في توقيته أيضاً. فقد تزامن مع شهر رمضان المبارك، وفي سابقة غير معهودة منذ احتلال القدس عام حرب حزيران 1967، مُنع المسلمون من أداء صلاة التراويح والاعتكاف في العشر الأواخر داخل المسجد الأقصى. هذا التطور يضرب أحد أهم الرموز الدينية للمسلمين في لحظة إيمانية بالغة الحساسية، ويحول شهر العبادة إلى ساحة اختبار سياسي وأمني. ولا يقتصر المشهد على إغلاق المسجد فحسب؛ فقد ترافق ذلك مع انتشار مكثف لقوات الاحتلال في محيط المسجد وأبواب البلدة القديمة في القدس، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى باحاته، إضافة إلى إغلاق العديد من المحال التجارية في أسواق البلدة القديمة. وبذلك تبدو المدينة وكأنها تعيش حالة حصار ديني واقتصادي في آن واحد. في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن إغلاق الأقصى لفترة طويلة نسبياً قد يشكل بالون اختبار لقياس ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية. فكل خطوة من هذا النوع قد تُستخدم لقياس حدود الغضب الشعبي، تمهيداً لفرض خطوات أشد خطورة لاحقاً ضمن مسار تهويد القدس بالكامل. كما أن هذه الإجراءات تحمل في طياتها تحدياً واضحاً لدور الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس التي تتولاها الأردن تاريخياً. فإغلاق الأقصى عملياً بقرار إسرائيلي أحادي يقوض هذا الدور ويضعه أمام اختبار سياسي ودبلوماسي شديد الحساسية، في وقت يفترض فيه أن تكون إدارة المسجد والحفاظ على هويته الإسلامية مسؤولية اردنية وجزءاً من الترتيبات المعترف بها دولياً. لكن خطورة ما يحدث تفرض أيضاً موقفاً عربياً وإسلامياً يتجاوز حدود بيانات الإدانة التقليدية. فالمطلوب أولاً تحرك دبلوماسي أردني عاجل، بوصف الأردن صاحب الوصاية على المقدسات، لطرح القضية أمام مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار أن إغلاق الأقصى يمثل انتهاكاً للوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس. كما ينبغي ممارسة الضغط السياسي والقانوني لإجبار الاحتلال على إعادة فتح المسجد فوراً أمام المصلين. أما على المستوى العربي والإسلامي، فإن على جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عقد اجتماعات طارئة تتجاوز الطابع الرمزي، وتتبنى خطوات عملية للدفاع عن المقدسات الإسلامية في القدس، سواء عبر تحركات قانونية دولية، أو دعم صمود المقدسيين اقتصادياً وسياسياً، أو استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي المتاحة. ختاما، إن إغلاق المسجد الأقصى سبعة عشر يوماً متواصلة ليس مجرد إجراء أمني عابر في ظل حرب إقليمية؛ بل هو خطوة ذات دلالات عميقة تمسّ مستقبل المدينة المقدسة. وإذا لم يقابل هذا القرار بموقف عربي وإسلامي حازم يعيد فتح الأقصى ويؤكد هويته الإسلامية، فإن هذه السابقة قد تتحول إلى قاعدة جديدة تُستخدم مستقبلاً لتغيير هوية القدس وفرض واقع تهويدي دائم فيها. .