لماذا حاصر الأسطول الأمريكي بيروت عام 1903؟

سلجوق ترك يلماز - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس يجب تقييم الهجوم الأمريكي على إيران في إطار حسابات تمتد لمئة عام. هناك اعتقاد واسع الانتشار في تركيا. ووفقًا لهذا الاعتقاد فإن إسرائيل هي التي تحدد سياسة الولايات المتحدة تجاه فلسطين وإيران وحتى تجاه كامل شرق البحر المتوسط. ويستند هذا التصور إلى النفوذ الذي يتمتع به كبار الرأسماليين اليهود في الولايات المتحدة. فبحسب أصحاب هذا الرأي، تستخدم الشركات اليهودية الكبرى وجماعات الضغط اليهودية التي تأسست بفضلها قوة المال لشراء النفوذ وتشكيل السياسة الأمريكية بما يضمن أن تأتي نتائجها لصالح إسرائيل. أما الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل واليهود من خلال ذلك فهو إقامة دولة يهودية في فلسطين، ثم توسيع هذه الدولة وفقًا لبعض المفاهيم التي يُقال إنها وردت في اللاهوت اليهودي. ومن أجل انتقال هذا التصور من القوة إلى الفعل، جرى استخدام الولايات المتحدة كأداة. كما أن الرأسماليين اليهود أنفسهم تمكنوا في أوروبا أيضًا من السيطرة على العديد من الدول من الداخل. وهذه الدول بدورها تخضع لقوة رأس المال اليهودي وإسرائيل، وتشكّل سياساتها وفقًا لإسرائيل. وبناءً على ذلك فإن جماعات الضغط اليهودية تحدد كذلك السياسة البريطانية. وهناك عناصر أخرى تجعل هذه الصورة أكثر قابلية للتصديق. فعلى سبيل المثال، تسهم بعض التنظيمات والجماعات التي تشكلت على أساس معتقدات باطنية في تعزيز الاعتقاد بأن إسرائيل واليهود يهيمنون على العالم. لقد حاولتُ في عدة مناسبات سابقة التعبير عن آرائي بشأن الاعتقاد القائل بسيطرة إسرائيل ورأس المال اليهودي على الولايات المتحدة وبريطانيا، ومن خلال ذلك على العالم بأسره. وقد بدأت شكوكي الأولى حول هذه المعتقدات في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ومع احتلال العراق، تعمّقت شكوكي أكثر، خلافًا لما كان سائدًا من آراء عامة. وأعتقد أننا بحاجة إلى مناقشة هذه المسائل بتفصيل كبير. لأن القضية التي نحاول التفكير فيها تتجاوز بكثير مجرد قصة شخصية. فجذور هذه المعتقدات في مجتمعاتنا عميقة للغاية. وللأسف، وبسبب تأثير هذه المعتقدات، ابتعدنا عن مناقشة الطموحات الاستعمارية والإمبريالية لدول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، لأنها لا تنسجم مع “قصة الغرب” الراسخة في أذهاننا. لقد كانت هناك أسطورة صنعتها إسرائيل، وكثيرون صدّقوها. ومهما فعل الفلسطينيون، لم يتمكنوا من تحطيم هذه الرواية المهيمنة. كما أن إيماننا العميق بتفوق الحضارة الغربية جعل أنشطة ونوايا بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا تجاه منطقتنا غير مرئية في نظرنا. ومع ذلك فإن الأحداث التاريخية كانت تصرخ بأمور مختلفة تمامًا. وأود هنا أن أذكّر بواحدة منها فقط. إنها حادثة ليست معروفة كثيرًا. ففي عام 1903 فرض الأسطول الأمريكي حصارًا على ميناء بيروت. فقد جاءت أكبر سفن الأسطول الأمريكي الموجودة على سواحل الأطلسي إلى سواحل بيروت وهددت المدينة. ومن خلال ذلك تمكنوا من انتزاع بعض التنازلات. أما الحادثة التي أدت إلى حصار الأسطول الأمريكي لبيروت فكانت خبر مقتل القائم بأعمال القنصل الأمريكي في بيروت وليام سي ماغلسن. إلا أن هذا الخبر لم يكن صحيحًا. وعندما حاصر الأمريكيون بيروت عام 1903 لم يكن ثيودور هرتسل شخصية معروفة. وفي ذلك التاريخ لم يكن هجرة اليهود إلى أراضي فلسطين مقبولة على نطاق واسع في بريطانيا والولايات المتحدة باستثناء المسيحيين الإنجيليين. لكن حادثة أخرى كانت تشغل الباب العالي بعمق. فقد كانت أنشطة العصابات البلغارية الإرهابية في مقدونيا تثير الرعب. واضطر الباب العالي إلى التعامل مع هذه الأزمة لفترة طويلة. وقد مارست الدول العظمى، وعلى رأسها روسيا وبريطانيا، ضغوطًا على الدولة العثمانية. وكانت هذه الأحداث نفسها هي التي أخرجت أنور باشا إلى مسرح التاريخ. وفي ذلك الوقت لم يكن من هم تحت رعاية الولايات المتحدة الصهاينة اليهود، بل الأرمن. وكان لهم دور مهم جدًا في مجيء الأسطول الأمريكي إلى بيروت. كما أن الأحلام الجيوسياسية للولايات المتحدة كانت تقف في خلفية المشاريع طويلة الأمد مثل القومية الأرمنية. وكان سعيهم إلى جذب مسيحيي الشرق إلى المسيحية الغربية ونشر الهيمنة البروتستانتية جزءًا من هذا الهدف. لقد فُتح الطريق أمام إسرائيل لأن اليهود الصهاينة نجحوا في جعل أحلام «الدولة اليهودية» منسجمة مع الطموحات الاستعمارية والإمبريالية لبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. وكان اليهود يعلمون أنهم سيحصلون على دعم هذه الدول حتى وهم يرتكبون كل أنواع الجرائم طوال مئة عام. ويجب أن نقيم نفوذ اليهود في الولايات المتحدة وبريطانيا ضمن هذا الإطار أيضًا. ففي وقت ما كانت شركة الهند الشرقية قد سيطرت هي الأخرى على بريطانيا من الداخل. واليوم يريدون إسقاط إيران وتفكيكها. وإذا نجحوا في ذلك فسيكونون قد أدخلوا كامل المنطقة مجددًا في فوضى كبيرة. أما إذا صمدت المنطقة ولم تتفكك، فإن الخاسر سيكون إسرائيل حتمًا. فمقاومة العالم الإسلامي ستقضي أولًا على جاذبية الرواية الإسرائيلية.