خارج النص- - كتب حلمي الأسمر في كل الحروب التي خاضها الكيان الغاصب منذ قيامه كان هناك مبدأ غير مكتوب يحكم عقيدته العسكرية: الحرب يجب أن تبقى خارج البلاد .. كانت الجيوش تتحرك بعيداً عن المدن، والمعارك تدور على حدود الآخرين، بينما يبقى العمق الإسرائيلي بمنأى عن النيران. هكذا تشكّلت صورة الدولة العبرية في الوعي الإسرائيلي: دولة صغيرة لكنها محصّنة، قوية لكنها بعيدة عن أهوال الحرب المباشرة. لكن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا يحدث عندما يتحول العمق نفسه إلى ساحة مواجهة؟ فالصواريخ التي كانت تسقط سابقاً على أطراف الجليل أو حدود غزة باتت تصل اليوم إلى قلب الكتلة السكانية والاقتصادية لإسرائيل. تل أبيب، محيط القدس، مدن الساحل… كلها أصبحت ضمن مدى النيران. لم تعد الحرب مجرد اشتباك على الحدود، بل أصبحت ضرباً مباشراً في مركز المشروع الصهيوني نفسه. من كسر الأسطورة إلى ضرب القلب لم يصل الصراع إلى هذه اللحظة دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل من التحولات. في حرب أكتوبر 1973 انكسرت أسطورة الجيش الذي لا يُهزم. وفي حرب تموز 2006 دخلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى المعركة عندما أطلق حزب الله آلاف الصواريخ على شمال الكيان. لكن التحول الأكبر جاء مع عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حركة حماس، والتي كشفت هشاشة منظومة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية وشكلت أكبر فشل عسكري في تاريخ المشروع الصهيوني منذ قيامه في فلسطين.. كانت تلك اللحظة بداية اهتزاز فكرة مركزية في الوعي الإسرائيلي: أن إسرائيل قلعة آمنة لا تُخترق. الصواريخ على تل أبيب… المعنى الأعمق اليوم تبدو المعادلة أكثر خطورة. فالصواريخ لم تعد تسقط فقط على أطراف الجبهات، بل أصبحت تصل إلى تل أبيب ومحيطها. وهذا ليس مجرد تطور عسكري. تل أبيب هي: مركز الاقتصاد الإسرائيلي قلب التكنولوجيا والصناعات المتقدمة مركز القرار السياسي والإداري وعندما تصل الصواريخ إلى هذه المدينة فإن الرسالة تتجاوز الدمار المادي لتصل إلى البنية النفسية للمشروع الصهيوني نفسه. بمعنى آخر: القلب الذي كان يدير الحروب والعدوان أصبح هو نفسه تحت النار. حرب الاستنزاف الجديدة في الوقت نفسه تتواصل المواجهة في الشمال مع إطلاق حزب الله موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو الجليل. تعتمد هذه الهجمات في كثير من الأحيان على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت واحد لإرباك منظومات الدفاع الجوي. والهدف ليس فقط إحداث خسائر مباشرة، بل استنزاف القدرات الدفاعية وإبقاء الجبهة الداخلية في حالة شلل دائم. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: صواريخ بعيدة المدى من إيران، واستنزاف يومي من الجبهة اللبنانية. بين الرواية والواقع كالعادة في زمن الحرب، تتشكل روايتان متناقضتان. الرواية الإسرائيلية تؤكد أن معظم الصواريخ يتم اعتراضها وأن الأضرار محدودة. بينما تصوّر بعض الروايات المقابلة المشهد وكأنه انهيار واسع داخل الكيان. لكن القراءة العسكرية الواقعية تقول إن الحقيقة غالباً تقع بين الروايتين. فلا يوجد نظام دفاعي في العالم قادر على اعتراض جميع الصواريخ. وحتى أكثر الأنظمة تطوراً لا تتجاوز فعاليتها عادة سبعين إلى تسعين في المئة. وهذا يعني أن جزءاً من الصواريخ سيصل حتماً إلى أهدافه. معركة الأعصاب لكن أخطر ما في هذه المواجهة ليس عدد الصواريخ وحده. فكل موجة قصف تعني: توقف حركة الطيران إغلاق المدارس شلل جزئي في الاقتصاد ملايين المستوطنين في الملاجئ ومع استمرار هذه الحالة تتحول الحرب تدريجياً إلى حرب أعصاب طويلة. اللحظة التي تغير فيها الصراع من حرب أكتوبر التي كسرت أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، إلى حرب تموز التي أدخلت الجبهة الداخلية في المعركة، إلى طوفان الأقصى الذي هز نظرية الأمن الإسرائيلي… يبدو أن الصراع يدخل الآن مرحلة جديدة عنوانها: تحوّل عمق المشروع الصهيوني نفسه إلى جبهة مواجهة. وهنا يبرز السؤال الذي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة في المنطقة: هل تستطيع دولة قامت على فكرة التفوق الأمني المطلق أن تعيش في واقع لم يعد فيه أي مكان آمناً؟ .