حرب «الغضب الملحمي»… هل هي النسخة الحديثة من الحروب الصليبية المعاصرة؟ #عاجل

خارج النص- كتب حلمي الأسمر حين تختار الولايات المتحدة تسمية عملية عسكرية ضد إيران بـ «الغضب الملحمي»، فإن الأمر يتجاوز حدود اللغة العسكرية الباردة. فالأسماء في الحروب ليست مجرد تفاصيل تقنية؛ إنها مفاتيح الحكاية التي تريد القوى الكبرى أن تكتب بها التاريخ. وهنا تحديدًا يبرز السؤال: هل نحن أمام مجرد اسم دعائي، أم أمام لغة تستحضر إرثًا دينيًا وتاريخيًا أقدم بكثير من الحروب الحديثة؟ أولاً: لغة الغضب… حين تتحول الحرب إلى رسالة أخلاقية كلمة «الغضب» ليست حيادية في الثقافة الغربية. في التراث المسيحي ترتبط مباشرة بفكرة غضب الرب الواردة في الكتاب المقدس، حيث يُصوَّر الغضب الإلهي كقوة عقابية تنزل على من يُنظر إليهم بوصفهم خصومًا للحق أو للعقيدة. وعندما تتحول هذه اللغة إلى الخطاب السياسي، فإنها تمنح الحرب هالة أخلاقية: ليست مجرد صراع مصالح، بل ردًّا تاريخيًا على الشر. أما كلمة «الملحمي» فهي تضيف بعدًا آخر: الحرب ليست عملية عسكرية محدودة، بل حدثًا تاريخيًا كبيرًا يُراد له أن يُروى كفصل من ملحمة كبرى. ثانياً: الذاكرة الصليبية في الخطاب الغربي هذه اللغة ليست جديدة. فهي تشبه إلى حد بعيد الخطاب الذي رافق الحروب الصليبية في القرون الوسطى، عندما دعا البابا أوربان الثاني الأوروبيين إلى الحرب سنة 1095. آنذاك لم تُقدَّم الحرب كصراع سياسي، بل كـ: واجب ديني مهمة تاريخية معركة مقدسة بين الإيمان والعدو واللافت أن اللغة المستخدمة كانت ملحمية وغاضبة في آن واحد: حديث عن الانتقام الإلهي، وعن معركة فاصلة في مصير العالم المسيحي. ثالثاً: من الصليب إلى الجغرافيا السياسية لكن العالم اليوم ليس عالم القرن الحادي عشر. الحروب الحديثة تُخاض باسم الأمن القومي، والطاقة، والتوازنات الدولية والممرات وحماية المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يرافقها كثيرًا ما يستعير اللغة الرمزية القديمة: لغة المعركة بين الخير والشر، بين الحضارة والعدو، بين النظام والفوضى. وهنا يظهر جوهر المسألة: الدين لم يعد محرك الحرب المباشر، لكنه بقي جزءًا من لغتها الرمزية. رابعاً: لماذا تُستدعى هذه اللغة اليوم؟ لأن الحروب الكبرى لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالحكايات والروايات أيضًا. فعندما تُقدَّم الحرب بوصفها غضبًا ملحميًا فإن الرسالة المضمرة هي: أن ما يجري ليس مجرد صراع إقليمي بل مواجهة ذات بعد تاريخي وحضاري وأنها لحظة ستُكتب في سجل التاريخ إنها حرب ضد من يرفعون راية الإسلام.. بهذا المعنى تتحول التسمية نفسها إلى أداة تعبئة نفسية وسياسية. خامساً: هل هي حقًا حرب صليبية جديدة؟ الجواب ليس بسيطًا. فالحروب الصليبية كانت حروبًا دينية صريحة. أما الصراعات الحديثة فهي في جوهرها جيوسياسية واستراتيجية اولا .. وان كانت لا تخلو من بعد ديني ظهر أكثر بعد العدوان على غزة.. هذا بالنسبة للغرب (اما ما يخص المشروع الاستعماري الغربي في فلسطين فهو أقيم على الأساطير الدينية اساسا واستمر يستمد "شرعيته" المدعاة من الدين. وخيضت كل الحروب بمصطلحات وتسميات دينية.) لكن التشابه يظهر في اللغة والرمزية: استدعاء مفردات الغضب، والملحمة، والمعركة التاريخية. وهذا ما يجعل البعض يرى في هذه الحروب نسخة حديثة من الخطاب الصليبي، حتى لو كانت دوافعها الفعلية مختلفة أو مختلطة: دينية ودنيوية! قد لا تكون حرب «الغضب الملحمي» حربًا دينية خالصة بالمعنى التقليدي، لكن الاسم نفسه يكشف شيئًا مهمًا: أن القوى الكبرى ما زالت تميل إلى تغليف صراعاتها السياسية بلغة ملحمية ذات ظلال دينية وتاريخية؛ خاصة حين يتعلق الأمر بخصم مسلم عقائدي أو يحمل راية الإسلام.. وفي تلك اللحظة، تتحول الحرب من مجرد صراع على النفوذ إلى قصة كبرى تُروى للعالم بوصفها معركة مصيرية بين رؤيتين للتاريخ. وهنا يكمن السؤال الأخطر: هل نحن أمام حرب عادية في الشرق الأوسط… أم أمام فصل جديد من الملاحم الكبرى التي تعود البشرية إلى كتابتها كلما اشتعلت الحروب المصيرية؟ .