ترك برس في ظل جمود المسار التفاوضي واستمرار الحرب، تكثّف تركيا تحركاتها الدبلوماسية لإعادة إحياء المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، مؤكدة استعدادها للعب دور الوسيط واستضافة جولة جديدة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات إطالة أمد النزاع على الاستقرار الإقليمي والدولي. وقال مصدر في الرئاسة التركية لوكالة "نوفوستي" الروسية إن "الجانب التركي قدم على أعلى مستوى عرضاً علنياً للتوسط في جولة جديدة من المفاوضات حول أوكرانيا، لكن القرار بشأن عقدها يعود إلى الأطراف نفسها". بحسب موقع روسيا اليوم. ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه العملية التفاوضية جموداً منذ الجولة الثلاثية الأخيرة التي استضافتها جنيف يومي 17 و18 فبراير، بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، والتي لم تفضِ إلى توقيع أي اتفاقات أو وثائق، فيما لم يتم حتى الآن تحديد موعد أو مكان لجولة جديدة. في المقابل، أكد الكرملين انفتاح موسكو على مفاوضات جديدة حول أوكرانيا في "المستقبل المنطور"، في ظل تذبذب مواقف زيلينسكي وضغوط واشنطن لتسريع التسوية. وتُشير تقديرات إلى أن تصريحات زيلينسكي بشأن الحل السياسي اتسمت بالتناقض، حيث يبدي أحياناً قبولاً ببعض الطروحات قبل أن يعلن رفضه لها، إضافة إلى سعيه لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية التي قد تفتح المجال أمام قوى سياسية تميل إلى تسوية النزاع مع موسكو. وفي سياق الجهود الدبلوماسية، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، بحثا خلاله آخر تطورات الحرب في أوكرانيا والسبل الممكنة للتوصل إلى حل سلمي. وخلال الاتصال، تبادل الوزيران وجهات النظر حول الخطوات الممكنة والملموسة التي يمكن اتخاذها بهدف إنهاء الحرب في المنطقة في أقرب وقت ممكن، والعودة بطرفي النزاع إلى طاولة المفاوضات . وشدد فيدان على المخاطر المتزايدة التي يخلفها استمرار الحرب، ليس فقط على دول المنطقة، ولكن على النظام الدولي برمته، مشيرا إلى التداعيات الخطيرة لإطالة أمد النزاع. وجدد الوزير التركي خلال المحادثة تأكيد موقف تركيا الثابت واستعدادها الكامل لاستضافة الجولة القادمة من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، بهدف تقريب وجهات النظر والمساهمة في إيجاد تسوية دبلوماسية للأزمة. إلى جانب الملف الأوكراني، تطرق النقاش إلى قضايا إقليمية أخرى، حيث تم بحث سبل وقف الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وإمكانية إيجاد حلول دبلوماسية لها. كما تناول الاتصال قضايا متعلقة بـ أمن الطاقة، في إطار بحث التعاون والمسائل ذات الاهتمام المشترك بين البلدين في هذا المجال الحيوي. ويأتي الدور التركي في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا ضمن مقاربة دبلوماسية براغماتية تحاول من خلالها أنقرة الموازنة بين علاقاتها المعقدة مع الطرفين، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي كدولة عضو في حلف شمال الأطلسي وفي الوقت ذاته شريك اقتصادي وأمني مهم لروسيا. فمنذ اندلاع الحرب، سعت تركيا إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع موسكو وكييف، ما منحها هامشاً فريداً للتحرك كوسيط مقبول نسبياً لدى الجانبين، بخلاف أطراف غربية تُنظر إليها من قبل روسيا كطرف في النزاع. وقد برز هذا الدور بشكل واضح في المراحل الأولى من الحرب، حين استضافت أنقرة ثم إسطنبول جولات تفاوض مباشرة بين الوفدين الروسي والأوكراني، في واحدة من أبرز محاولات التهدئة المبكرة. كما لعبت تركيا دوراً محورياً في التوصل إلى اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، وهو الاتفاق الذي خفف من تداعيات الأزمة على الأمن الغذائي العالمي، وأكد قدرة أنقرة على تحقيق اختراقات عملية في ملفات معقدة. تعتمد الاستراتيجية التركية على مبدأ “التوازن النشط”، حيث تحرص على عدم الانخراط في سياسة العقوبات الغربية الشاملة ضد روسيا، مقابل استمرار تعاونها العسكري مع أوكرانيا، خاصة في مجالات الصناعات الدفاعية. هذا النهج يعكس إدراك أنقرة لحساسية موقعها، سواء من ناحية أمن البحر الأسود أو من حيث ارتباطات الطاقة والتجارة مع موسكو، ما يجعلها حريصة على تجنب القطيعة مع أي من الطرفين. في السياق نفسه، ترى تركيا أن استمرار الحرب يهدد ليس فقط استقرار محيطها الإقليمي، بل أيضاً توازنات النظام الدولي، خصوصاً في ظل تداعياته على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. لذلك، تكرر أنقرة طرح نفسها كمنصة للحوار، انطلاقاً من قناعة بأن الحل العسكري لن يكون حاسماً، وأن المسار التفاوضي—رغم تعثره—يبقى الخيار الوحيد القابل للاستدامة. ومع تعثر الجولات التفاوضية الأخيرة، تحاول تركيا إعادة تنشيط دورها عبر اتصالات دبلوماسية مكثفة مع موسكو وكييف، مستفيدة من رصيدها السابق كوسيط ومن قدرتها على التحدث بلغة المصالح مع الطرفين. غير أن نجاح هذا الدور يظل رهناً بتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى طرفي النزاع، في ظل تشابك الحسابات الميدانية والضغوط الدولية التي لا تزال تعيق الوصول إلى تسوية شاملة.