- القرآن الكريم ترياق الروح لمواجهة اغتراب العصر الرقمي - «لا إله إلا هو» تعيد للشخصية توازنها المفقود وتحررها - (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} حصن ضد الغرور التكنولوجي - «القيومية» تواجه القلق الرقمي أخطر اضطرابات العصر الفنان التشكيلي المغربي عبدالجليل بنسديرة يتقاطع مشروعه الإبداعي عند نقاط التماس بين الفن المعاصر والسكينة الإيمانية. يسعى من خلال أعماله وكتاباته إلى استكشاف «هندسة الروح» وإعادة تعريف مكانة الإنسان في عصر الهيمنة الرقمية. هو مؤسس منصة «Art for the Soul» (فن من أجل الروح) يقدم بنسديرة زاوية «جمالية هندسية» لآية الكرسي، مستمدة من خلفيته المهنية كفنان تشكيلي ومصمم مما يخرجه من سياق الوعظ التقليدي إلى فضاء النقد الثقافي والروحي. ويقول: نحن نعيش في «عصر الضجيج»؛ حيث التكنولوجيا لا تهدأ، والبيانات تتدفق كشلالات هادرة تخنق الوعي، والكمال المستحيل صار ديانة العصر الجديدة التي تُعبد عبر شاشات الهواتف. وسط هذا الركام من القلق الوجودي والاغتراب، تبرز آية الكرسي (الآية 255 من سورة البقرة) كمنظومة علاجية متكاملة، وحصن وجودي يرمم ما أفسدته «الحداثة السائلة» في جوهر الإنسان. - التحرر من إدمان «الدوبامين» ويوضح بنسديرة أن إنسان اليوم يعاني مما يسمى «اقتصاد الانتباه»، وهو سلوك قهري تجاه الشاشات يرفع مستويات «الدوبامين» بشكل اصطناعي، مما يسبب إدماناً رقمياً يُضعف التحكم في الانفعالات ويشتت الانتباه. ويؤكد أننا نعيش حالة من تشرذم الهوية بين مئات المنصات والآراء. هنا تأتي آية الكرسي لتقطع هذا الضجيج بإعلان السيادة المطلقة: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. هذا التوحيد، في سياقنا المعاصر، هو «المركزية» التي تحمي الإنسان من التشتت بين آلاف الأرباب الأرضية. حين يقول المؤمن «لا إله إلا هو»، فإنه يحرر نفسه من عبودية «الترند»، ومن سلطة المادة، ومن القلق المرضي الناتج عن المقارنات الاجتماعية المستمرة. الحصن هنا هو «وحدة المرجع»؛ فبدلاً من أن يكون الإنسان موزَّعاً بين ألف رغبة وألف خوف، يجتمع قلبه على الواحد الأحد، فتستعيد الشخصية توازنها المفقود وتتحرر من الأغلال الرقمية التي استنزفت فطرتها. - التناسب الهندسي ويقول: كمصمم وفنان تشكيلي، لا يسعني إلا أن أتأمل «التركيب الهيكلي» لهذه الآية العظيمة. إنها تشبه في بنائها «التناسب الذهبي» الذي ننشده في الفنون البصرية؛ تبدأ باسم الجلالة «الله» وتنتهي بصفتي «العلي العظيم»، وبينهما تتوزع جمل مستقلة تمثل ركائز توازن نفسي. هذا المعمار اللغوي يعكس توازناً بصرياً يريح العين والقلب؛ فثمة «إيقاع» (Rhythm) في توالي الصفات يضاد القبح البصري والتشويش المعرفي الذي نعيشه. يضيف: إن هندسة الكلمات في قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} تخلق حالة من التناظر (Symmetry) الوجودي، تذكرنا بأن الجمال والكمال لله وحده. هذا الإدراك الجمالي هو الترياق لاضطرابات «الصورة الذاتية» الناتجة عن التعرض لصور مثالية غير واقعية على منصات التواصل، والتي تولد شعوراً مزمناً بالدونية والتعاسة لدى الإنسان المعاصر. ويقول إن من أخطر اضطرابات العصر ما يعرف بـ «القلق الرقمي» والخوف من فوات الشيء (FOMO). نحن في توتر دائم خشية تفويت تحديث أو خبر، مما يؤدي إلى «تآكل الدماغ» والإرهاق العاطفي. آية الكرسي تعالج هذا اللاهث بصفة {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. القيوم هو القائم على كل شيء، وحين نتدبر في قوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}، نجد السكينة لأعصابنا المتعبة من الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات والذي يفسد جودة نومنا. نحن نغرق في القلق لأننا نظن واهمين أننا المسؤولون عن دوران عجلة حياتنا بالكامل، بينما الحقيقة هي أن هناك قيوماً لا يغفل ولا ينام يدبر الأمر. هذا الإدراك يمنح المؤمن حق «الانفصال الرقمي» المؤقت؛ فهو يبذل السبب، لكنه ينام مطمئناً لأن «الحفيظ» قائم على شؤونه، مما يقينا من ظاهرة «الاحتراق النفسي» (Burnout). - سعة العلم مقابل سيل المعلومات يضيف بنسديرة انه في عالم العولمة، يسود اعتقاد بأن «المعلومة هي القوة»، مما أدى إلى حالات حادة من القلق المعلوماتي. الإنسان يخشى المجهول الذي تخبئه له تقلبات الأسواق أو الخوارزميات الغامضة. تأتي الآية لترسم حدود العلم البشري: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}. هذا النص هو الحصن ضد «الغرور التكنولوجي» وخوفه في آن واحد. سوسيولوجياً، نحن نعيش في «مجتمع المخاطرة»؛ حيث يشعر الفرد بالضآلة أمام قوى العولمة الكبرى. لكن اليقين بأن مستقبلك (ما بين أيديهم) وماضيك (ما خلفهم) معلوم ومقدّر بحكمة إلهية، يكسر جدار الخوف الاجتماعي السائد. المؤمن لا يحتاج لملاحقة كل معلومة ليطمئن، بل يكفيه أن يثق في «من يعرف كل شيء»، وبذلك يحمي عقله من التشتت والذوبان في بحار «البيانات الضخمة». ويقول الفنان التشكيلي انه رغم آلاف «الأصدقاء» الرقميين، يعيش إنسان المدن الكبرى حالة من «العزلة الاجتماعية» الحادة والضيق الوجودي. بيوت إسمنتية ضيقة وعلاقات افتراضية هشة أدت إلى انكماش في الروح ونشوء أمراض الرهاب والاكتئاب. تفتح آية الكرسي أفقاً كونياً مذهلاً: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}. هذا «الاتساع» هو الترياق الحقيقي للاكتئاب، الذي هو في جوهره انغلاق النفس على ألمها. من وجهة نظر فنية، المساحة (Space) في التصميم تعني الحرية والتنفس؛ وآية الكرسي تمنح الروح هذه المساحة الكونية المطلقة. حين يتدبر الإنسان في عظمة الكرسي، تخرج روحه من «سجن الشاشة» ومن ضيق «الأنا» إلى رحابة الملكوت، حيث السكينة التي لا تمنحها «الإعجابات» العابرة، بل يمنحها الاتصال بالعظمة الإلهية التي تتجاوز حدود المادة. يضيف بنسديرة: نحن نعيش في عصر «الهشاشة النفسية»؛ حيث ينهار الفرد أمام «تنمر إلكتروني» أو كلمة جارحة في فضاء افتراضي. تنتهي آية الكرسي بضمانة أبدية وقوية: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}. كلمة «لا يَؤُودُه» تعني لا يُعجزه ولا يُثقله. سوسيولوجياً، يفتقد إنسان العصر لمؤسسات حماية حقيقية؛ فالدولة أو الشركة أو حتى المنصات الرقمية قد تتخلى عن الفرد في لحظة انكساره. لكن «الحفظ» في آية الكرسي هو حفظ مطلق وغير مشروط. إذا كان حفظ المجرات والسماوات لا يثقل كاهل القدرة الإلهية، فهل سيعجز الله عن حفظ توازنك النفسي؟ أو حفظ قلبك من الكسر أمام أذى المتنمرين؟ هذا الشعور بـ «العناية الشخصية» من العلي العظيم هو الدرع الروحي الذي يجعل الفرد عصياً على الانكسار أمام ضغوط المجتمع المادي الرقمي. ويقول بنسديرة إنه لكي تتحول آية الكرسي من نص نردده آلياً إلى إستراتيجية استشفاء عملية، لا بد من التدبر الجمالي للآية كما تتأمل لوحة فنية متوازنة؛ واستشعر تدفق السكينة من الصفات الإلهية واجعل قراءة الآية موعداً مقدساً لقطع الصلة بـ «الضوء الأزرق» والاتصال بنور الفطرة، خاصة قبل النوم لعلاج الأرق المعلوماتي.