أطلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية موجة ارتدادية عنيفة في قطاع الطيران العالمي، بعدما أدى التصعيد العسكري وما تبعه من إغلاق فعلي لمضيق هرمز إلى قفزة حادة في أسعار النفط ووقود الطائرات، لتبدأ شركات النقل الجوي في مراجعة عملياتها ورفع أسعارها وتقليص بعض رحلاتها. وفي هذا السياق، برز قرار الخطوط الجوية الإسكندنافية «ساس» بإلغاء 1000 رحلة خلال أبريل بوصفه أحد أوضح المؤشرات على حجم الضغط الذي تتعرض له الصناعة، في وقت تتجه فيه شركات أخرى إلى زيادة أسعار التذاكر أو تعليق مسارات، وسط توقعات ببقاء الكلفة مرتفعة لأشهر حتى لو هدأت وتيرة الحرب.**media[2679165]**«ساس» تقلص رحلاتها تحت ضغط الوقود أعلنت الخطوط الجوية الإسكندنافية «SAS» إلغاء نحو ألف رحلة خلال أبريل، بعد أن كانت قد قررت إلغاء نحو 200 رحلة في مارس، في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود الناتج عن تطورات الشرق الأوسط. وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة أنكو فان دير ورف أن الشركة تحاول الإبقاء على حركة المسافرين قدر الإمكان، لكنها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات لخفض النفقات وتعزيز قدرتها على الصمود إذا استمرت الأزمة.وأشار إلى أن الإلغاءات في أبريل لا تعد، من وجهة نظر الشركة، إجراءات جذرية مقارنة بحجم عملياتها اليومية الذي يبلغ نحو 800 رحلة، إلا أنها تعكس بوضوح حجم الضغط الواقع على قطاع الطيران، خصوصاً بعد تضاعف سعر وقود الطائرات خلال 10 أيام فقط.**media[2679166]**أسعار أعلى وتعديلات على الشبكة أكدت «ساس» أن متوسط تكلفة الرحلات سيرتفع بنحو 500 كرونة سويدية للرحلة الواحدة، فيما ستزيد تكلفة الرحلات عبر الأطلسي بنحو 2700 كرونة سويدية. كما أوضحت أن الوجهات التي ستطالها التخفيضات أولاً هي تلك التي تتوافر لها بدائل ربط جيدة في اليوم نفسه، في محاولة لتقليل الأثر على المسافرين.وبحسب الشركة، تركزت معظم الإلغاءات في مارس على الرحلات الداخلية داخل النرويج، بينما تأثرت السويد والدنمارك بعدد محدود من الرحلات فقط. «نرويجيان» تتحرك لملء الفراغ في المقابل، سارعت شركة «نرويجيان» المنافسة إلى استغلال الفرصة التشغيلية، معلنة زيادة طاقتها الاستيعابية عبر إضافة 120 رحلة إقلاع إضافية بين 25 مارس و12 أبريل، بهدف استيعاب الركاب المتضررين من إلغاءات «ساس». وتركزت هذه الزيادة بشكل رئيسي على الرحلات الخارجة من الدول الإسكندنافية إلى وجهات إسبانية تشهد طلباً مرتفعاً خلال عطلة عيد الفصح. الحرب تضغط على شركات الطيران عالمياً لم تعد الأزمة مقتصرة على شركة بعينها، إذ دفعت الحرب وارتفاع أسعار النفط عدداً من شركات الطيران العالمية، بينها «إير فرانس-كي إل إم» و«كاثي باسيفيك» و«إير إنديا» و«كانتاس» و«ساس»، إلى رفع أسعار التذاكر لتعويض الزيادة الكبيرة في كلفة الوقود. كما علّقت شركات عديدة رحلات إلى وجهات في الشرق الأوسط بسبب المخاطر الأمنية، ما أضاف ضغوطاً تشغيلية جديدة على القطاع.ويعني إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الطلب العالمي على المحروقات، أن أسواق الطاقة باتت أكثر حساسية لأي تصعيد، وهو ما ينعكس مباشرة على شركات الطيران التي تعتمد على الوقود بوصفه أحد أكبر بنود الإنفاق لديها. لماذا لا ترتفع الأسعار بالوتيرة نفسها؟ ورغم هذا الارتفاع الحاد في التكاليف، يرى مختصون في قطاع الطيران أن قدرة الشركات على تحميل الركاب كامل الزيادة ليست مفتوحة. فأسعار التذاكر لا تتحدد فقط بكلفة الوقود، بل أيضاً بمستوى الطلب على السفر، والقدرة الشرائية للمستهلكين، وحجم المقاعد المعروضة في السوق.ويؤكد خبراء أن أي تباطؤ اقتصادي، أو ارتفاع في التضخم والبطالة، قد يحد من قدرة شركات الطيران على فرض زيادات كبيرة، حتى لو ظلت التكاليف التشغيلية مرتفعة. لكن في المقابل، فإن تقليص عدد الرحلات وإلغاء المسارات الأقل ربحية قد يؤديان عملياً إلى تقليل المعروض ورفع الأسعار على المسافرين بصورة غير مباشرة. الرحلات الهامشية أول الضحايا مع استمرار ارتفاع الوقود، ترجح التقديرات أن تكون الرحلات ذات الربحية المحدودة أول ما يُلغى، خصوصاً في موسم الصيف، الذي تسعى فيه الشركات إلى حماية هوامش أرباحها. كما أن استمرار تعليق بعض الخطوط إلى الشرق الأوسط يحرم الناقلات الجوية من رحلات طويلة كانت تدر عوائد مهمة، ما يزيد الضغوط على شبكاتها الدولية.وتواجه شركات الطيران تحدياً مزدوجاً: كلفة وقود أعلى، وقيود تشغيلية وأمنية على بعض المسارات، إلى جانب اضطرارها إلى إعادة توزيع الطائرات والسعات على وجهات بديلة أكثر أمناً وربحية. قطاع حساس لتقلبات الطاقة تعكس الأزمة الحالية هشاشة صناعة الطيران أمام تقلبات أسواق الطاقة. فطائرة بعيدة المدى مثل «بوينغ 777» يمكن أن تحمل أكثر من 45 ألف غالون من الوقود، ما يجعل أي زيادة ولو محدودة في السعر عبئاً مالياً كبيراً عندما تُحتسب على آلاف الرحلات.ولهذا تلجأ شركات الطيران إلى مسارات متعددة للتخفيف من الصدمة، من بينها تحديث الأساطيل بطائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، والتوسع في استخدام وقود الطيران المستدام، إلى جانب تعديل الأسعار والقدرة التشغيلية بحسب تطورات السوق. أسعار مرشحة للبقاء مرتفعة في المدى القريب، لا تبدو الزيادات السعرية موحدة بين جميع الأسواق، إذ لا تزال بعض الشركات، خصوصاً في الولايات المتحدة، تتريث في إعلان زيادات واسعة. لكن المؤشرات العامة في السوق توحي بأن أسعار التذاكر مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر القادمة، لا سيما إذا استمرت الحرب أو بقيت تداعياتها على أسواق الطاقة وسلاسل الطيران العالمية.وفي المحصلة، فإن قرار «ساس» بإلغاء 1000 رحلة في أبريل لا يبدو مجرد خطوة تشغيلية عابرة، بل إشارة مبكرة إلى أن الحرب لم تعد محصورة في ساحات المواجهة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، ووضعت المسافرين وشركات الطيران معاً أمام فاتورة متصاعدة عنوانها: الوقود الأغلى والرحلات الأقل والتذاكر الأعلى.