ترك برس توفي المؤرخ والكاتب التركي البارز إيلبر أورطايلي، الجمعة، بعد مسيرة حافلة بالنقاشات والندوات والكتب والمؤلفات، جعلت منه أحد أبرز الشخصيات الأكاديمية في مجال التاريخ في تركيا. تتعدد انشغالات المؤرخ التركي إلبر أورطايلي، من خلال اهتمامه بشكل خاص بتاريخ المدن، وتاريخ الإدارة العامة والدبلوماسية والتاريخ الثقافي والفكري. ويعد أورطايلي اليوم الأبرز بين المؤرخين الأتراك الذين سيطر عليهم هاجس المراجعة المعمقة للوثائق والأرشيف العثماني، إضافة إلى أرشيفات البلدان التي خضعت للدولة العثمانية، إذ يسعى إلى كتابة تاريخ جديد للدولة العثمانية، فلقد ظهر جليا تأثره بأستاذه عالم العثمانيات المعروف خليل إينالجيك (1916-2016)، وبتقسيماته للحقب العثمانية. ولد أورطايلي عام (1947)، في مدينة بريغنز بالنمسا لعائلة من تتار القرم، كانت هربت من الترحيل والاضطهاد إبان حكم جوزيف ستالين. تخرج من كلية العلوم السياسية (في جامعة أنقرة) عام 1969، وكانت أطروحته حول الإدارة المحلية في فترة التنظيمات، عام 1978 انضم إلى الهيئة التدريسية بعد حصوله على الدكتوراه في الجامعة نفسها، ثم حصل على رتبة أستاذ عام 1979، عن بحثه "النفوذ الألماني في الإمبراطورية العثمانية". كانت رسالته للدكتوراه التي كتبها عام 1985 تحت عنوان "الخلافة العثمانية: التحديث والحداثة في القرن الـ19″، وأكمل دراسته العليا بجامعة شيكاغو الأميركية، وتم تعيينه عام 1989 أستاذا للتاريخ ورئيسا لقسم التاريخ الإداري بكلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة، كما درّس في جامعة فيينا في قسم الدراسات السلافية والمشرقية. وعمل أستاذا للتاريخ في جامعة غلطة سراي في إسطنبول وجامعة بيلكنت في أنقرة. تم تعيينه عام 2005، مديرا لمتحف طوب قابي في إسطنبول، حتى تقاعده سنة 2012. يتحدث أورطايلي الألمانية والفرنسية والإنكليزية والروسية والفارسية. وكانت الحقبة العثمانية أحد أبرز المجالات التي برز فيها أورطايلي، إذ يرى أن الإمبراطورية العثمانية تمثل "الإمبراطورية الرومانية الثالثة" في التاريخ، إذ استمر تأثيرها بمرور الوقت، وشملت تنوعا كبيرا في الأديان. ويشير إلى أن نظام الانتداب البريطاني والفرنسي ترك أثرا سلبيا على التراث العثماني، كما ذكر ذلك في إحدى مقابلاته مع موقع "الجزيرة نت". ويوضح أورطايلي في فترة الانتقال من الإمبراطورية إلى الجمهورية في تركيا، شهد المجتمع تحولات كبيرة، وعدت فترة الثورة والتغيير صعبة. وأكد أن تركيا استمرت في الابتعاد عن مفهوم الذات القديمة، وتبنت توجها حديثا نحو التقدم والتطور. صدرت ترجمة عربية لعدة كتب من تأليفه عن الدار العربية للعلوم (ناشرون). ومن أبرز مؤلفاته: "التاريخ الإداري لتركيا" (1979)، و"كيف يبني الإنسان مستقبله؟" (2007)، و"إعادة استكشاف العثمانيين" (2015)، و"العثمانيون في ثلاث قارات" (2016)، و"الغازي مصطفى كمال أتاتورك" (2019). وعن تقييمه لنظام الانتداب البريطاني والفرنسي في الولايات العربية التابعة للسلطنة العثمانية، وإذا ما كان نظام الانتداب فعالا في المنطقة، يرى أورطايلي أن نظام الانتداب البريطاني والفرنسي في تلك الفترة لم يكن فعالا، ولم يجلب حياة جيدة وقيمة إلى هذا الجزء من الإمبراطورية. وكما أنه ترك أثرا سلبيا على التراث العثماني. وأردف المؤرخ -مؤلف كتاب "السلام العثماني" (2004)- قائلا نحن اليوم نتجه مع البقايا والتركة السيئة لهذا الرجل (البريطاني) الذي يدفع نقاط الالتماس على التربة العثمانية. وفي حديثه، يأمل أورطايلي أن تتاح للشعوب في هذه المنطقة فرصة للتقدم نحو الاستقلال، متجاوزين مرحلة تأثير الانتداب البريطاني والفرنسي، وبناء أفضل بروح الاستقلال والحرية. ويرى المؤرخ التركي أن تركيا دولة متغيرة وتحاول بقدر المستطاع التعامل مع التبدلات، وعلى الرغم من التحديات، استمرت تركيا في الابتعاد عن مفهوم الذات القديمة، وتبنت توجها حديثا نحو التقدم والتطور. وبحسب أورطايلي، يمكننا رؤية ذلك في تبدل الدولة العثمانية خلال القرن الـ19، وأشار إلى أن التاريخ موجود معنا شئنا أم أبينا، وأن رفض التاريخ أمر ينافي الطبيعة والتفكير الواقعي، وأن المفهوم المعمق للتاريخ والتحول الشخصي يظل هو المحرك الرئيسي للتطور والازدهار. وعن إشكالية النظر إلى الجمهورية التركية على أساس أنها استمرار أو امتداد للإمبراطورية العثمانية، دافع صاحب -كتاب "التاريخ التركي الحديث"(2022)- عن موقفه عن فترة الانتقال من الإمبراطورية إلى الجمهورية بقوله مع إلغاء السلطنة والخلافة، لا يمكننا أن نقول إن الهيكل المؤسس للدولة العثمانية قد تفكك. وعن تراجع الإمبراطورية العثمانية إلى حدودها الحالية دولة صغيرة محصورة بين أرمينيا واليونان، ونهاية الدولة العثمانية عمليا كإمبراطورية، وإعادتها إلى الدولة التركية التي ولدت في عهد عثمان وابنه أورخان في القرن الـ13 الميلادي، يؤكد المؤرخ أورطايلي، "نعم، كان هناك تغيير في بنية سلطة الدولة مع السلطنة والخلافة. وأثناء فترة الانتقال من الإمبراطورية إلى الجمهورية في تركيا شهد المجتمع تحولات كبيرة، وعدت فترة الثورة والتغيير صعبة. ومع ذلك استمرت معظم مؤسسات الدولة". واعتبر أن النظام العلماني الذي تأسس على أنقاض الإمبراطورية العثمانية في عشرينيات القرن الماضي "ما زال قويا في تركيا". واختتم المؤرخ التركي حديثه "باعتقادي أنه في هذا القرن الأخير، تعد تركيا من الدول النادرة التي كان عليها أن تتغير وأن تنجح في إعادة صياغة نفسها. إنها دولة صنعت نفسها، ولذلك فهي لا تزال تركيا وما زالت تحقق النجاح".