بين خرائط المصالح وحدود المعنى: إلى أين يمضي العالم؟

لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في المنطقة بوصفه تصعيداً عسكرياً عابراً، أو جولة جديدة في صراع قديم. ثمة شيء أعمق يتشكّل بهدوء قاسٍ: تحوّل في طبيعة الصراع نفسه، وفي اللغة التي ترويه، وفي المعنى الذي يمنحه لنفسه. ما نشهده اليوم لا يقتصر على إعادة توزيع النفوذ، بل يلامس إعادة تعريف العالم… لنفسه. من صراع مصالح إلى صراع تعريفات : لطالما قيل إن الحروب تُخاض من أجل المصالح، لكن المشهد الراهن يوحي بأننا نغادر هذا التعريف الكلاسيكي نحو شيء أكثر تعقيداً: لم يعد السؤال من يملك الأرض، بل من يملك رواية الأرض. لم يعد التنافس على الموارد فقط، بل على الشرعية الأخلاقية، وعلى حق تعريف الضحية والجاني. في هذا السياق، يتسلل سؤال مقلق: هل ما زلنا نعيش في عالم تحكمه الدول، أم أننا دخلنا مرحلة تتقدّم فيها الهويات—الدينية والثقافية—لتصبح الفاعل الأعمق والأكثر تأثيراً؟ تحالفات بلا ذاكرة : أحد أكثر ملامح المرحلة إرباكاً هو هشاشة التحالفات. ما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه اصطفافاً استراتيجياً ثابتاً، تبيّن أنه قابل لإعادة التشكيل بسرعة لافتة، ووفق حسابات باردة لا تعترف إلا بلغة المصلحة المباشرة. كأن العالم تخلّى عن وهم "تحالفات القيم”، وانتقل إلى واقع "تحالفات الضرورة”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كانت تلك القيم حاضرة فعلاً في السابق، أم أنها كانت مجرد غطاء لغوي أنيق لصراعات أكثر براغماتية مما كنا نتصوّر؟ عودة الخطاب الهوياتي… أم استدعاؤه؟ في موازاة ذلك، يتصاعد حضور الخطاب الديني والهوياتي، لا بوصفه ظاهرة ثقافية فحسب، بل كأداة تفسير وتعبئة. غير أن خطورة هذا التحول لا تكمن في عودته، بل في طريقة توظيفه. هل نحن أمام تعبير صادق عن قلق وجودي لدى المجتمعات؟ أم أمام استدعاء واعٍ لهذا الخطاب، لتعبئة الفراغ الذي تركه عجز السياسة؟ الفرق هنا ليس لغوياً، بل مصيري. لأن ما يُستدعى يمكن التحكم به… لكن ما ينبع من عمق الوعي الجمعي يصعب احتواؤه. صراع حضارات… أم فشل في التعايش؟ يُغري المشهد الحالي بعض التحليلات بالعودة إلى مقولات "صراع الحضارات”، لكن ربما تكمن الإشكالية في مكان آخر. ليس في وجود حضارات مختلفة، بل في فشلها في إنتاج مساحة مشتركة للعيش. قد لا تكون الحضارات في حالة صراع، بقدر ما هي في حالة عجز عن التخيّل: عجز عن تخيّل عالم يتّسع للاختلاف دون أن يتحوّل إلى تهديد. الإنسان… الغائب الأكبر : وسط هذا كله، يتراجع الإنسان إلى الهامش. تُختزل المآسي إلى أرقام، ويُعاد تعريف الألم وفق موقعه السياسي، لا وفق قيمته الإنسانية. وهنا يبرز السؤال الأكثر قسوة: هل فقد الإنسان مكانته كمركز للمعنى، ليصبح مجرد أداة داخل سرديات كبرى تتنازع تعريفه؟ إلى أين؟ لا توجد إجابة جاهزة. لكن يمكن رصد ثلاثة مسارات محتملة: • تصاعد الاستقطاب الهوياتي، حيث تنقسم الخرائط لا بالجغرافيا فقط، بل بالوعي والانتماء. • توازن بارد طويل الأمد، لا ينهي الصراع بل يديره. • أو، في احتمال أقل لكنه أكثر إنسانية، ولادة خطاب جديد يعيد الاعتبار لفكرة الإنسان خارج ثنائيات الهوية الصلبة. ما الذي علينا أن ننتبه له؟ ربما لا يكون السؤال الأهم: إلى أين يذهب العالم؟ بل: كيف نعيد تعريف أنفسنا ونحن نعيش هذا التحول؟ لأن التاريخ لا يُكتب فقط بنتائج الحروب، بل بالطريقة التي يختار بها البشر أن يفهموا أنفسهم… بعدها. في لحظة كهذه، لا يكفي أن نراقب المشهد، بل علينا أن ننتبه جيداً: أي خطاب نصدّق، وأي خوف نغذّي، وأي إنسان… نقرّر أن نكون .