د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الأمين، الذي علَّم أمته العدل والإنصاف، ونهى عن البهتان والافتراء، فقال: "كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع". لقد ابتُليت ساحات الإعلام ومواقع التواصل في هذه الأيام بموجاتٍ متتابعة من حملات الإسقاط والتشويه المعنوي، تستهدف بغير حقٍ ولا بيّنةٍ ثلةً من العلماء والدعاة وأهل الفكر والرأي في أمتنا. وغالباً ما تحرك هذه الحملات جهات سياسية أو أهواء أيديولوجية أو حظوظ النفس لدى بعض المتربصين، أو رغبة من البعض في إخضاع الناس لسطوة خطابٍ متشنّجٍ لا يعرف الإنصاف ولا يلتزم بآداب الاختلاف؛ فيُسارِع أصحابه إلى إطلاق الأحكام، ويستسهلون الطعن في الأعراض والنيات، ويغفلون عن خطورة الكلمة ومسؤولية الشهادة أمام الله تعالى. وقد كان من آخر تلك الحملات الظالمة ما وُجِّه إلى أحد علماء الشام الأعلام، وشيخٍ من شيوخها المعروفين بالعلم والدعوة والإصلاح، وهو فضيلة مفتي الجمهورية العربية السورية في المهجر الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله. فقد أُخذ عليه كلامٌ صدر في سياق إجابةٍ علميةٍ حول مسألةٍ عقديةٍ تتعلق بحكم تكفير عوام الشيعة، وحكم من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فذكر الشيخ في معرض حديثه أن القرآن الكريم لم يذكر اسمها صريحاً في آيات الإفك. ثم ما لبث أن بادر ـ جزاه الله خيراً ـ إلى مراجعة كلامه وتوضيحه في تسجيلٍ مصوَّر، فصرّح بما هو ثابتٌ عند أهل السنة والجماعة من أن من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه في كتابه فقد كفر، وأن هذا الحكم قد انعقد عليه إجماع علماء المسلمين. غير أن بعض المتربصين لم يرضهم هذا التوضيح الصريح ولا ذلك الاعتذار المسؤول، فآثروا تجاهله، ومضوا في بثّ حملاتهم، يلوكون التهم، ويشككون في دين الرجل واستقامته، في مشهدٍ يعكس مقدار ما بلغته بعض المنابر الإعلامية من تجاوزٍ لحدود العدل والإنصاف. ومن هنا فإن من حق العلماء على الأمة أن يُعرَف لهم قدرهم، وأن تُقرأ مواقفهم في ضوء تاريخهم وسيرتهم ومجمل عطائهم، لا في ضوء مقاطع مجتزأة أو كلمات مبتورة. وإذا تأملنا سيرة الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله ومسيرته العلمية والدعوية، وجدنا أننا أمام شخصيةٍ علميةٍ دعويةٍ لها وزنها الاجتماعي والفكري، ورجلاً عرفته ميادين العلم والدعوة عقوداً طويلة، فكان له أثرٌ واضح في خدمة الإسلام والدفاع عن قضايا الأمة. لقد كان الشيخ من العلماء الذين لم ينكفئوا عن الشأن العام، بل تصدّى بقلمه ولسانه وبمكانته العلمية والروحية للاستبداد والظلم، وانحاز إلى المطالب العادلة للشعب السوري، ودفع في سبيل ذلك ضريبة الابتلاء والهجرة، صابراً محتسباً، ثابتاً على موقفه. كما وقف مع إخوانه من أبناء الشعب السوري في مواجهة الاحتلال الإيراني والاحتلال الروسي، مؤصِّلاً في ذلك الرؤية الشرعية التي تستند إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في وجوب مقاومة الظلم والعدوان. ويُذكِّرنا موقف الشيخ أسامة الرفاعي بمواقف كبار العلماء الذين انحازوا إلى شعوبهم في مواجهة الاستعمار والاستبداد عبر التاريخ؛ فنراه قريباً في مواقفه من تجربة الإمام عبد الحميد بن باديس في الجزائر، الذي وقف مع شعبه في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وقاد حركة الإصلاح العلمي والدعوي والثقافي لإعداد جيلٍ من المجاهدين الذين أسهموا في تحرير بلادهم. كما يذكّرنا أيضاً بمواقف العالم المغربي علال الفاسي الذي انحاز إلى حركة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني، وأسهم في تأصيل الوعي الديني والوطني في مواجهة الاحتلال. ومن هذا المنظور، فإن الشيخ أسامة الرفاعي يمثل امتداداً لمدرسة العلماء العاملين الذين جمعوا بين العلم والدعوة والموقف، فكانوا جزءاً أصيلاً من ذاكرة شعوبهم في مواجهة الاستبداد والاحتلال. ولذلك بقي اسمه حاضراً في ذاكرة الشعب السوري ضمن مسيرة المقاومة ضد الاحتلال الروسي والإيراني وضد نظام الاستبداد الذي أسسه نظام حافظ الأسد وورثه بشار الأسد. وقد عُرف الشيخ بين علماء بلاد الشام بخلقه وأدبه وسعة صدره وحلمه، وبمحبته لشعبه وأمته وحرصه على نصرة الحق والتمسك بشرع الله تعالى. كما حظي بمكانة علمية معتبرة لدى كثير من علماء الشام وعلماء الأمة الإسلامية من مدارس علمية متعددة، الذين شهدوا له بالعلم والفضل وحسن الخلق. ومن ثم فإن محاولة بعض الأقلام الطعن في مثل هذه الشخصيات العلمية والدعوية أو التشكيك في نياتها، دون علمٍ أو أدبٍ أو إنصاف، لا تقود إلى معرفة الحقائق، ولا تخدم قضايا الأمة، بل تزيد من ضجيج السجال وتغيب ميزان العدل الذي دعا إليه الإسلام. فالحكم على الأشخاص إنما يكون في ضوء تصوّر صحيح للواقع، ومعرفةٍ بسياقاته وتعقيداته، لا عبر مقاطع مبتورة أو أحكام متعجلة. ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى العلماء في ضوء تاريخهم وسيرتهم ومجمل عطائهم، وأن يُحفظ لهم قدرهم ومكانتهم، فإن توقير العلماء الربانيين من القيم التي رسّخها الإسلام في نفوس المسلمين، وبهم يُحفظ العلم، وتُصان الشريعة، وتُستضاء للأمة معالم الطريق. أولاً: نشأة الشيخ أسامة الرفاعي؟ وُلد الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي في مدينة دمشق عام 1944، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والدعوة، فهو الابن الأكبر للشيخ عبد الكريم الرفاعي -رحمه الله-، أحد العلماء البارزين في دمشق، كما أنه شقيق الداعية سارية الرفاعي -رحمه الله- الذي توفي في السادس من يناير 2025م. وقد كان للبيئة التي تربى فيها الشيخ أسامة الأثر الواضح في تكوين شخصيته العلمية والدعوية منذ سنواته الأولى في مقتبل عمره. ثانياً: مسيرته العلمية والإصلاحية تلقى الشيخ أسامة الرفاعي تعليمه المدرسي في دمشق، حيث أنهى مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي فيها، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة دمشق لدراسة اللغة العربية وعلومها، وتخرج منها عام 1971م. وإلى جانب دراسته الجامعية، تلقى الشيخ أسامة العلوم الشرعية على يد والده الشيخ عبد الكريم الرفاعي، كما تتلمذ على عدد من العلماء المعروفين، ومنهم خالد الجيباوي، وعبد الغني الدقر، وأحمد الشامي، ومحمود زيدان، وسعيد الأفغاني. وينتسب الشيخ أسامة الرفاعي إلى ما يُعرف بـ"جماعة زيد بن ثابت"، وهي جماعة صوفية ظهرت في أربعينيات القرن العشرين في دمشق، وكان والده من أبرز روادها وزعمائها. وقد استمدت هذه الجماعة اسمها من جامع زيد بن ثابت الأنصاري في دمشق، الذي ارتبط بنشاطها الدعوي والعلمي. وفي عام 2004م، سمحت السلطات السورية بتوسيع نشاط هذه الجماعة من خلال مشروع خيري حمل اسم "حفظ النعمة"، غير أن هذا النشاط تعرض لاحقًا لتضييق من قبل السلطات السورية عام 2008، حيث فُرضت قيود على أعمال الجماعة وأنشطتها. وقد تولّى الشيخ أسامة الرفاعي مهمة الخطابة في جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي الواقع في منطقة كفر سوسة بالعاصمة دمشق، حيث واصل من خلاله نشاطه الدعوي والإرشادي (الجزيرة نت، 2025). شهدت أواخر سبعينيات وبدايات ثمانينيات القرن العشرين تزايداً في حضور الشيخ أسامة الرفاعي وتأثيره في الأوساط الدينية في سوريا، الأمر الذي جعله مصدر قلق ومحطّ متابعة ورقابة من قبل السلطات السورية وأجهزتها الأمنية آنذاك. ومع تصاعد الضغوط الأمنية، اضطر عام 1981 إلى مغادرة البلاد متجهًا إلى المملكة العربية السعودية، وبعد سنوات من الغياب، عاد إلى دمشق عام 1993 برفقة شقيقه الشيخ سارية الرفاعي، وذلك عقب وساطات متعددة، ليستأنفا نشاطهما الدعوي من جديد. ثالثاً: الشيخ أسامة والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية مع انطلاقة الثورة السورية لقد عُرف الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله بمواقفه الواضحة في الشأن العام، وبحسّه الأخلاقي والإنساني تجاه قضايا أمته وشعبه، فلم يكن من العلماء الذين ينكفئون عن هموم الناس، بل كان من الذين حملوا مسؤولية الكلمة والموقف في مواجهة الظلم والاستبداد. فقد عبّر منذ عقود عن انتقاده لسياسات نظام حافظ الأسد، وأدان المجازر التي وقعت في عهده، وفي مقدمتها مجزرة حماة عام 1982، مستحضراً في ذلك واجب العالم في بيان الحق والنصيحة للأمة. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز الشيخ الرفاعي بوصفه أحد أبرز الأصوات الدينية الداعمة للحراك الشعبي، فكان في طليعة العلماء والفقهاء الذين وقفوا إلى جانب المطالب المشروعة للشعب السوري، داعياً من على منابر المساجد إلى الإصلاح ووقف القمع، ومؤكداً تأييده للمطالب الشعبية الداعية إلى إنهاء الاستبداد وإقامة العدل (حنين، 2025). ومع تصاعد الأحداث، أصبح المسجد الذي كان يلقي فيه خطبه ودروسه ملتقى للمتظاهرين والمحتجين قبل انطلاق المظاهرات، الأمر الذي أثار غضب السلطات الأمنية. وفي فجر يوم 27 أغسطس/آب 2011 اقتحمت قوات الأمن السورية، يرافقها عناصر من الشبيحة، جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي أثناء صلاة التهجد، حيث تعرض المصلون للاعتداء والضرب، وكان الشيخ أسامة من بين الذين طالتهم تلك الاعتداءات، فأصيب بجروح في رأسه ويده، ونُقل إلى مستشفى الأندلس في دمشق لتلقي العلاج. وقد أعقبت هذه الحادثة إجراءات أمنية مشددة بحقه، إذ مُنع من الخطابة وتعرّض لتهديدات مباشرة بالقتل، الأمر الذي اضطره إلى مغادرة سوريا مرة أخرى حفاظاً على حياته. فتوجّه أولاً إلى القاهرة، ثم استقر لاحقاً في مدينة إسطنبول في تركيا، حيث واصل نشاطه العلمي والدعوي، فألقى الدروس والمحاضرات، واستمر في أداء رسالته العلمية والدعوية في خدمة الإسلام وقضايا الأمة، ومن ذلك دروسه الأسبوعية في مسجد ميهريما سلطان في حي الفاتح بإسطنبول (مجلة البيان، 2025). وتعكس هذه المحطات من حياة الشيخ أسامة الرفاعي جانباً من المسؤولية الشرعية والأخلاقية التي حملها تجاه شعبه وأمته، حيث جمع بين دور العالم المربي والداعية المصلح، وبين الموقف الصريح في نصرة المظلومين والوقوف في وجه الظلم والاستبداد، وهو ما جعل حضوره العلمي والدعوي جزءاً من الذاكرة المعاصرة للحراك الديني والاجتماعي في بلاد الشام. رابعاً: دور الشيخ أسامة في تنظيم العمل المؤسسي للإفتاء والعمل الدعوي والإنساني إلى جانب نشاطه العلمي والدعوي، وهو عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حرص الشيخ أسامة الرفاعي على الإسهام في تنظيم العمل المؤسسي للعلماء السوريين في الخارج، إدراكاً منه لأهمية العمل الجماعي المنظم في توجيه الشأن الديني والفكري وخدمة قضايا الشعب السوري. ومن مقر إقامته في مدينة إسطنبول التركية، واصل دعمه للحراك الشعبي السوري، وتعاونه مع القوى والهيئات الداعمة للثورة السورية في الداخل والخارج. وفي هذا السياق أعلن الشيخ الرفاعي إعادة إحياء رابطة علماء الشام، وهي مؤسسة علمية تأسست في الأصل عام 1937، غير أن نشاطها ظل لفترة طويلة محدوداً وسرياً نتيجة الظروف السياسية التي عاشتها البلاد. وجاءت خطوة إحيائها في إطار السعي إلى جمع العلماء السوريين وتنظيم جهودهم، وتعزيز دورهم في توجيه العمل الدعوي والفكري المرتبط بالشأن السوري. وفي 14 أبريل/نيسان 2014 شارك الشيخ أسامة الرفاعي، إلى جانب عدد من العلماء السوريين، في تأسيس المجلس الإسلامي السوري، وهو إطار ديني يسعى إلى جمع الهيئات والمؤسسات الإسلامية السورية تحت مظلة علمية واحدة. وفي الاجتماع السنوي للمجلس الذي عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بمدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، وبمشاركة نحو 130 عضواً من العلماء وممثلي الهيئات الإسلامية، جرى انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي رئيساً للمجلس، كما تم اختياره مفتياً عاماً لسوريا. وقد ضم المجلس الإسلامي السوري في عضويته قرابة أربعين هيئة ورابطة إسلامية من أهل السنة والجماعة، داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى عدد من الهيئات الشرعية التابعة لفصائل إسلامية في مناطق مختلفة من البلاد. وقد رأى القائمون على تأسيس المجلس أنه يمثل مرجعية دينية جامعة للعلماء السوريين، تؤدي دورها كمجلس للإفتاء وهيئة علمية مختصة بإصدار الفتاوى والتوجيه الديني، ولا سيما بعد أن ألغى نظام الرئيس بشار الأسد منصب المفتي العام في سوريا، الأمر الذي دفع العلماء إلى اختيار الشيخ أسامة الرفاعي لتولي هذا المنصب ضمن إطار المجلس الإسلامي السوري (الجزيرة نت، 2025). وبسبب مواقفه السياسية ومواقفه المؤيدة لمطالب الشعب السوري، أصدرت السلطات السورية قرارات بمصادرة أمواله وممتلكاته، كما قامت بتغيير اسم المسجد الذي ارتبط باسمه واسم والده، حيث تم تغيير اسم جامع عبد الكريم الرفاعي إلى جامع تنظيم كفرسوسة الكبير، قبل أن يُعاد تسميته لاحقاً باسم جامع عباد الرحمن. خامساً: مواقف الشيخ أسامة تجاه فلسطين وقضايا الأمة لم تقتصر مواقف الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله على الشأن السوري فحسب، بل امتد اهتمامه إلى قضايا الأمة الإسلامية عامة، انطلاقاً من إدراكه لوحدة المصير بين شعوبها، واعتبار قضايا المسلمين في مختلف الأقطار جزءاً من المسؤولية الشرعية التي يحملها العلماء. فقد عبّر في مناسبات متعددة عن تضامنه مع الشعوب المظلومة في العالم الإسلامي، مؤكداً أن واجب العلماء يتمثل في بيان الحق ونصرة المظلومين والدعوة إلى العدل والحرية وكرامة الإنسان. لقد كان الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله من العلماء الذين عبّروا بوضوح عن موقفهم الثابت تجاه قضية فلسطين، بوصفها قضيةً مركزيةً في وجدان الأمة الإسلامية وضميرها الديني والتاريخي. فقد أكد في أكثر من خطابٍ وبيان أن نصرة الشعب الفلسطيني واجبٌ شرعي وأخلاقي على الأمة الإسلامية، وأن الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وحماية المقدسات الإسلامية مسؤولية جماعية لا يجوز التفريط فيها. كما شدد الشيخ الرفاعي في عددٍ من مواقفه العلنية على أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين يمثل اعتداءً صارخاً على حقوق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، داعياً إلى وحدة الصف الإسلامي في دعم صمود الفلسطينيين وتعزيز التضامن معهم في مواجهة العدوان والاحتلال. وفي هذا السياق قال الشيخ الرفاعي في إحدى كلماته حول القضية الفلسطينية: "إن قضية فلسطين ليست قضية شعبٍ وحده، بل هي قضية الأمة كلها، والمسجد الأقصى أمانة في أعناق المسلمين، ولن تُحفظ هذه الأمانة إلا بوحدة الأمة وقيامها بواجبها في نصرة المظلومين " (المجلس الإسلامي السوري، 2023). وقد ظل الشيخ في خطبه وبياناته يؤكد أن نصرة فلسطين جزءٌ من الواجب الشرعي في الوقوف إلى جانب المظلومين والدفاع عن المقدسات، وأن بقاء هذه القضية حية في وجدان الأمة هو من علامات وعيها وهويتها الحضارية، داعياً إلى دعم صمود الشعب الفلسطيني سياسياً وإنسانياً وإعلامياً، حتى ينال حقوقه المشروعة في الحرية والكرامة واستعادة أرضه ومقدساته (المجلس الإسلامي السوري، 2023؛ الجزيرة نت، 2024). كما عبّر عن تضامنه مع الشعب اليمني في ظل ما يعانيه من أزمات وصراعات، داعياً إلى وقف نزيف الدماء والعمل على تحقيق المصالحة الوطنية التي تحفظ وحدة البلاد وسلامة المجتمع. وأكد في عدد من تصريحاته أن معاناة الشعوب المسلمة نتيجة الحروب والنزاعات تمثل مأساة إنسانية تستدعي تضافر الجهود لإنهائها وإرساء دعائم الاستقرار والعدالة. كذلك أبدى الشيخ الرفاعي مواقف واضحة تجاه ما تتعرض له بعض المجتمعات الإسلامية من تدخلات خارجية وصراعات طائفية في الصومال والسودان وأفغانستان وبلاد المسلمين، محذراً من خطورة هذه السياسات في تمزيق وحدة الأمة وإضعافها. وقد شدد في خطاباته على ضرورة التمسك بالهوية الإسلامية الجامعة وتعزيز روح التضامن بين الشعوب الإسلامية، مؤكداً أن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتكافلها وتعاونها على تحقيق العدل والخير (الجزيرة نت، 2025). وتعكس هذه المواقف مجتمعة رؤية الشيخ أسامة الرفاعي لدور العالم المسلم في العصر الحديث، إذ لا يقتصر دوره على التعليم والإفتاء، بل يتعداه إلى المساهمة في توجيه الوعي العام للأمة والدفاع عن قضاياها العادلة، في إطار من الحكمة والاعتدال والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة. سادساً: المنهج الفكري للشيخ أسامة الرفاعي على الصعيد الفكري والدعوي، فقد عُرف الشيخ أسامة الرفاعي بمنهجه الوسطي المعتدل القائم على الجمع بين الثبات على أصول أهل السنة والجماعة، والدعوة إلى الاعتدال ونبذ الغلو والتطرف. وقد أكد في العديد من تصريحاته وكتاباته رفضه لما وصفه بـ الفكر التكفيري، مشدداً على أنه لا مكان لهذا الفكر في المجتمع السوري، لما يجره من فتنٍ وتمزيقٍ لوحدة الأمة. كما وجّه الشيخ الرفاعي انتقادات صريحة لتنظيم ما يُعرف بـ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، معتبراً أنه نشر الفكر التكفيري واستباح دماء المسلمين وأموالهم، وأسهم في إضعاف الثورة السورية وتقويض أهدافها. كما صرّح في أكثر من مناسبة بأن تنظيم القاعدة يمثل كذلك تياراً تكفيرياً يوقع المسلمين في الفتن ويستبيح دماءهم بغير حق. وفي الوقت نفسه، عُرف عن الشيخ موقفه الواضح في مجابهة المشروع الإيراني الطائفي في المنطقة، حيث فضح هذا المشروع ودوره في تأجيج النزاعات الطائفية، وتقويض التعايش بين مكونات المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في سوريا واليمن والعراق ولبنان (حنين، 2025). كما حذر مراراً من خطورة التشيع العقائدي والسياسي الذي ينتشر في بعض بلاد المسلمين تحت شعارات مختلفة. وبهذا المنهج الفكري والدعوي، ظل الشيخ أسامة الرفاعي من أبرز العلماء المدافعين عن معتقد أهل السنة والجماعة، والساعين إلى حفظ وحدة المجتمع، ومواجهة الانحرافات الفكرية والغلو الديني، في إطار رؤية شرعية تجمع بين العلم والاعتدال والمسؤولية تجاه قضايا الأمة. سابعاً: الشيخ أسامة وعودته إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي يوم 28 مارس/آذار 2025 أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عاماً للبلاد (الحاج، 2025). وقال الرئيس الشرع في كلمته أثناء مؤتمر تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى وتعيين مفتي الجمهورية العربية السورية: "لا يخفى على أحد مسؤولية الفتوى وأمانتها ودورها في بناء الدولة الجديدة، خاصة بعدما تعرّض جناب الفتوى للتعدي من غير أهله، وتصدى له من ليس بكفء". وتابع قائلاً: "يتولى هذا المنصب اليوم رجل من خيرة علماء الشام"، وذلك في معرض وصفه للشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله (الجزيرة نت، 2025). وفي الختام يمكن القول: إذا تأملنا في سيرة الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله ومسيرته العلمية والدعوية، فإننا نجد أنفسنا أمام نموذجٍ من نماذج العلماء الذين جمعوا بين العلم والدعوة والموقف، فكان حضوره في ميادين التعليم والإرشاد، وفي ساحات النصح والإصلاح، حضور العالم المربي الذي حمل همَّ أمته، واستشعر مسؤوليته الشرعية تجاه شعبه وقضايا بلاده. لقد مضت عقود من حياة الشيخ أسامة الرفاعي في خدمة العلم الشرعي، وتعليم الناس، والدعوة إلى الله تعالى، والذبّ عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والوقوف في وجه الانحراف الفكري والظلم السياسي، فكان ـ في مواقفه وكلماته ـ قريباً من آلام شعبه وآماله، حاملاً رسالة العلماء في نصرة المظلومين والقيام بواجب البيان والنصيحة، غير هيّابٍ في الحق ولا مترددٍ في أداء ما يراه واجباً شرعياً وأخلاقياً. ومن الحقائق التي قررها أهل العلم قديماً وحديثاً أن العالم مهما بلغ من العلم والفضل ليس معصوماً من الخطأ؛ فالعصمة إنما هي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، غير أن من دلائل صدق العالم وتجرده للحق أن يبادر إلى مراجعة قوله وتصويب خطئه إذا تبين له الصواب. ومن هنا فإن الخطأ العارض لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لحملات التشويه والاغتيال المعنوي التي تتنافى مع أخلاق الإسلام وآداب الاختلاف التي أمر بها الشرع. إن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى العلماء في ضوء تاريخهم الطويل وسيرتهم ومجمل عطائهم، لا من خلال زلةٍ عابرة أو كلمةٍ مجتزأة من سياقها؛ فمكانة العلماء الربانيين في الأمة ليست مكانة أفرادٍ عاديين، بل هي مكانة ورثة الأنبياء الذين يحملون العلم ويبلّغون رسالة الدين. ولذلك كان توقير العلماء ومعرفة قدرهم من القيم التي رسّخها الإسلام في نفوس المسلمين، إذ بهم يُحفظ العلم، وتُصان الشريعة، وتستضيء الأمة في مسيرتها. ومن هنا فإن الواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي تحري الصدق والعدل، والابتعاد عن الظلم والتشهير، والالتزام بأدب الاختلاف الذي دعا إليه القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون النقد ـ إن وُجد ـ نقداً علمياً منضبطاً بميزان الشرع والإنصاف، بعيداً عن الأهواء والخصومات. وستبقى سيرة العلماء العاملين ـ ومنهم الشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله ـ شاهداً على أن الكلمة الصادقة والموقف الصادق لا يضيعان عند الله، وفي سجل التاريخ، وأن حملات التشويه مهما اشتدت لا تستطيع أن تطمس مسيرةً امتدت عقوداً في خدمة العلم والدعوة ونصرة الحق؛ فالأمة تحفظ لأهل العلم مكانتهم، وتبقى أعمال الرجال ومواقفهم الصادقة جزءاً من ذاكرتها الحية وضميرها التاريخي. كتبه الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين 27 رمضان 1447ه/ 16 مارس 2026